يظل سرطان المعدة سببًا رئيسًا لوفيات السرطان في العالم، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل حيث يشيع تشخيص المرض في مراحل متأخرة وتندر المعلومات الموثوقة حول أثره الاقتصادي على الأنظمة الصحية والأسر، وتعالج هذه الدراسة هذا النقص عبر تقويم مخرجات البقاء والتكاليف المباشرة للرعاية الصحية لمرضى بالغين مصابين بسرطان المعدة عولجوا في مستشفى جامعي مرجعي بمدينة بوغوتا في كولومبيا، معتمدة على بيانات سريرية وإدارية تجمع بصورة روتينية في الممارسة الواقعية، وهو نمط من الأدلة الواقعية يزداد الاعتماد عليه في تخطيط خدمات الأورام وتقدير الاحتياجات التمويلية المستقبلية وتوجيه سياسات الكشف المبكر نحو الفئات الأعلى خطورة والأكثر احتياجًا للتدخل المنظم في الوقت المناسب
وتفيد الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في اقتصاديات الصحة وإدارة المستشفيات وعلم الأوبئة، لأنها تعرض منهجية عملية لربط السجلات السريرية بالبيانات الإدارية لتقدير البقاء والكلفة معًا في بيئة محدودة الموارد، وهي تجربة قابلة للمحاكاة في مستشفيات عربية تواجه التحديات ذاتها من تأخر التشخيص وارتفاع كلفة العلاج التلطيفي والشفائي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف البقاء الكلي واستخدام موارد الرعاية الصحية لدى مرضى سرطان المعدة البالغين الذين عولجوا بين عامي 2019 و2024 في مستشفى جامعي مرجعي للإحالة، وتقدير التكاليف الطبية المباشرة التراكمية عبر خمس سنوات بآلاف الدولارات الدولية لعام 2023، وحدد الباحثون من سجلات المستشفى 616 مريضًا بالغًا مصابًا بسرطان المعدة خلال فترة الدراسة، استوفى منهم 388 مريضًا بنسبة 63.0 في المئة معايير الأهلية فأدرجوا في العينة التحليلية النهائية، بينما استبعد 228 مريضًا بنسبة 37.0 في المئة وفق معايير استبعاد محددة سلفًا، واستخدم التصنيف المرحلي المسجل في الملفات الطبية وفق منظومة الورم والعقدة والنقائل التي تصف امتداد الورم وإصابة العقد اللمفاوية الإقليمية ووجود النقائل البعيدة، كما وثقت نية العلاج الأولى شفائية كانت أم تلطيفية لكل مريض
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة صورة متكاملة لخصائص المرضى وبقائهم وكلفتهم يمكن عرض أبرز ملامحها في النقاط الآتية
1، بلغ الوسيط العمري للمرضى 65 عامًا بمجال رباعي امتد بين 57 و73 عامًا، وشكلت النساء نسبة 36.9 في المئة من العينة التحليلية، وهي خصائص تتسق مع أنماط الإصابة المعروفة بالمرض في الفئات العمرية الأكبر
2، توزعت المراحل عند التشخيص بصورة مقلقة، إذ كان 36.3 في المئة من المرضى في المرحلة الثالثة و34.8 في المئة في المرحلة الرابعة، وكانت نية العلاج الأولى شفائية لدى 46.6 في المئة من المرضى وتلطيفية لدى 53.4 في المئة منهم
3، بلغ المتوسط التراكمي المقدر للتكلفة الطبية المباشرة 89.3 ألف دولار دولي عند سنتين بفاصل ثقة تراوح بين 75.9 و102.8 ألف دولار دولي، وارتفع إلى 161.2 ألف دولار دولي عند خمس سنوات بفاصل ثقة تراوح بين 92.0 و230.4 ألف دولار دولي
4، بلغ وسيط البقاء الكلي 30.7 شهرًا، وقدر احتمال البقاء لخمس سنوات بنسبة 40.0 في المئة على مستوى العينة كلها، غير أنه بلغ 45.5 في المئة لمرضى المرحلة الثالثة مقابل 12.5 في المئة فقط لمرضى المرحلة الرابعة، بما يكشف فجوة بقاء واسعة تصنعها مرحلة التشخيص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يفرض سرطان المعدة عبئًا مزدوجًا يتمثل في وفيات مرتفعة وكلفة اقتصادية ضخمة على النظام الصحي، ويتحدد هذا العبء إلى حد كبير بالمرحلة السريرية عند التشخيص، ومن ثم تبرز النتائج المنافع السكانية والمالية المحتملة لاستراتيجيات تستهدف الكشف الأبكر عن المرض وضمان الوصول في الوقت المناسب إلى رعاية الأورام في البلدان متوسطة الدخل، إذ إن نقل التشخيص إلى مراحل أبكر قد يرفع البقاء ويخفض كلفة العلاج التلطيفي الممتد في آن واحد، وهي رسالة تصلح أساسًا لحوارات السياسات الصحية وتخطيط برامج الفحص والتحويل المبكر في سياقات مشابهة ومنها سياقات عربية كثيرة
وخلاصة القول إن أدلة واقعية من مستشفى مرجعي واحد وثقت أن سرطان المعدة في كولومبيا يشخص غالبًا متأخرًا ويكلف النظام الصحي مبالغ متراكمة كبيرة مقابل بقاء محدود لأغلب المرضى، وإن الاستثمار في الكشف المبكر والوصول السريع إلى العلاج قد يكون المسار الأعلى جدوى سريريًا واقتصاديًا معًا








