تمثل الوقاية من السلوكيات الجنسية الخطرة لدى المراهقين المبكرين أولوية في الصحة العامة، إذ قد تسهم في تأخير بدء النشاط الجنسي المبكر وتقليل الإصابة بالعدوى المنقولة جنسيًا، ويعد رفع مستوى محو الأمية الصحية الجنسية لدى طلاب المدارس مدخلًا واعدًا لتحقيق هذه الوقاية، لأنه يزود المراهق بالمعرفة والمهارات اللازمة لاتخاذ قرارات آمنة ومسؤولة
وفي هذا الإطار تأتي هذه الدراسة شبه التجريبية لتقويم فاعلية برنامج لتعزيز محو الأمية الصحية الجنسية في تنمية سلوكيات الوقاية من المخاطر الجنسية لدى طلاب المرحلة الإعدادية الدنيا، وهي دراسة تهم المختصين في التربية الصحية والصحة المدرسية والباحثين العرب المهتمين بتصميم تدخلات وقائية قائمة على الأدلة للمراهقين
ويرتكز مفهوم محو الأمية الصحية الجنسية على فكرة أن المعرفة وحدها لا تكفي لتغيير السلوك، فالمراهق يحتاج إلى القدرة على الوصول إلى المعلومات الصحية وفهمها وتقويم مصداقيتها وتطبيقها في مواقف حياتية حقيقية، بما في ذلك مهارات التواصل ورفض الضغوط واتخاذ القرار، ولذلك تتجه التدخلات الحديثة في التربية الصحية إلى بناء هذه القدرات المركبة عبر أنشطة تفاعلية بدل الاقتصار على المحاضرات التوعوية التقليدية أحادية الاتجاه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية برنامج تعزيز محو الأمية الصحية الجنسية المعروف ببرنامج كوميت، المستند إلى إطار محو الأمية الصحية والمكون من خمسة أنشطة تعليمية منظمة، وشملت العينة 114 طالبًا من طلاب الصف الثامن جرى اختيارهم بأسلوب العينة متعددة المراحل ووزعوا على مجموعة تدخل ومجموعة ضابطة بواقع 57 طالبًا في كل مجموعة، وتلقت مجموعة التدخل البرنامج بينما تلقت المجموعة الضابطة المنهج المعتاد، وجمعت البيانات باستبيانات ديموغرافية واستبيان لمحو الأمية الصحية الجنسية واستبيان للوقاية من السلوكيات الجنسية الخطرة، في ثلاث قياسات قبل التدخل وبعده وبعد شهر من المتابعة، وحللت البيانات بتحليل التباين للقياسات المتكررة بتصميم مختلط ثنائي الاتجاه وباختبارات تائية للعينات المستقلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت مجموعة التدخل متوسطات درجات أعلى بصورة دالة في محو الأمية الصحية الجنسية وفي سلوكيات الوقاية من المخاطر الجنسية عند القياس البعدي وقياس المتابعة بعد شهر، مقارنة بخط الأساس وبالمجموعة الضابطة، عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
2، لوحظت أحجام أثر كبيرة للبرنامج، إذ بلغ حجم الأثر في محو الأمية الصحية الجنسية 0.932، وبلغ في الوقاية من السلوكيات الجنسية الخطرة 0.791، بما يعكس أثرًا عمليًا قويًا لا مجرد دلالة إحصائية
3، استمرت المكاسب المتحققة بعد شهر من انتهاء التدخل، بما يشير إلى أن أثر البرنامج لم يكن لحظيًا بل امتد عبر فترة المتابعة المتاحة في الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن بناء تدخلات الصحة الجنسية المدرسية على إطار محو الأمية الصحية، بأنشطة تعليمية منظمة ومتدرجة، يمكن أن يحقق تحسينات جوهرية ومستدامة نسبيًا في معرفة المراهقين وسلوكياتهم الوقائية، وأوصى الباحثون بتطبيق برنامج كوميت في المدارس الثانوية لتعزيز الصحة الجنسية للمراهقين، غير أن نقل هذا النموذج إلى سياقات ثقافية أخرى يستدعي تكييف محتواه مع القيم والأنظمة التعليمية المحلية وإجراء تقويمات تجريبية مماثلة قبل التعميم، كما يظل الأثر الطولي الأبعد بحاجة إلى متابعات أطول من شهر واحد
وتبرز أهمية أحجام الأثر الكبيرة المرصودة من الناحية العملية، فالبرامج المدرسية غالبًا ما تحقق مكاسب متواضعة بسبب قصر زمنها وتنافسها مع أولويات منهجية أخرى، بينما يشير ما تحقق هنا إلى أن هيكلة التدخل في أنشطة متتابعة مبنية على إطار نظري واضح قد تصنع فارقًا ملموسًا، ويظل من الضروري عند التفكير في نقل التجربة دراسة كيفية تدريب المعلمين على تنفيذ الأنشطة بأمانة، وكيفية إشراك الأسر والمجتمع المحلي لدعم رسائل الوقاية، وكيفية رصد أي آثار غير مقصودة محتملة في البيئات المختلفة
وخلاصة القول إن البرنامج أثبت فاعليته في رفع محو الأمية الصحية الجنسية وسلوكيات الوقاية من المخاطر الجنسية لدى طلاب المرحلة الإعدادية بأحجام أثر كبيرة ونتائج استمرت في المتابعة، بما يجعله نموذجًا تدخليًا جديرًا بالاعتماد والتكييف المدروس في برامج الصحة المدرسية








