تتشكل التربية بين الثقافات في سياقات الشعوب الأصلية من توترات مستمرة بين المعرفة المدرسية المهيمنة والممارسات التعليمية الأصلية، غير أن الأدلة التجريبية المقارنة حول كيفية توزع هذه التوترات عبر الفاعلين التربويين ما تزال محدودة، ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة لتقارن الازدواجية الاجتماعية التعليمية والثقافية بين الطلاب والمعلمين في مدارس تعمل في سياقات شعب المابوتشي في جنوب تشيلي
وتمثل الازدواجية هنا حالة من التردد والتذبذب القيمي والمعرفي يعيشها الفاعلون حين يتحركون بين مرجعيتين ثقافيتين متباينتين، وهي ظاهرة تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المعنيين بدراسات التعليم في المجتمعات متعددة الثقافات وبقضايا الهوية والانتماء داخل المدرسة
وتنبع حساسية هذا الموضوع من أن المدرسة في سياقات الشعوب الأصلية ليست مجرد مؤسسة تعليمية بل ساحة التقاء رمزية بين مشروعين ثقافيين، مشروع الدولة القومية بمناهجها ولغتها وتصوراتها عن النجاح، ومشروع المجتمعات الأصلية بلغاتها ومعارفها المتوارثة وقيمها الجماعية، ولذلك فإن ما يعيشه المعلمون والطلاب من ازدواجية يعكس في عمقه سؤالًا أوسع عن العدالة المعرفية والاعتراف بالتنوع الثقافي داخل أنظمة تعليمية بنيت تاريخيًا على افتراض التجانس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة الازدواجية الاجتماعية التعليمية والثقافية بين الطلاب والمعلمين عبر أبعاد متعددة، واعتمدت تصميمًا كميًا مقطعيًا شمل 546 مشاركًا، منهم 284 طالبًا و262 معلمًا، من مدارس ابتدائية وثانوية في جنوب تشيلي، وقِيست الازدواجية بمقياس الازدواجية الاجتماعية التعليمية والثقافية، ثم استخدم تحليل عنقودي من خطوتين لتحديد ملفات الازدواجية، أعقبه تحليل تباين متعدد المتغيرات بتصميم عاملي ثنائي يقوم على الدور والانتماء العرقي
ويضفي استخدام التحليل العنقودي قبل مقارنات التباين قيمة منهجية على الدراسة، إذ لم يفترض الباحثون توزع الازدواجية بصورة خطية متصلة بل بحثوا عن أنماط أو ملفات تجمع الأفراد المتشابهين في مستويات ازدواجيتهم عبر الأبعاد، ثم قارنوا هذه الصورة الوصفية بآثار الدور والانتماء العرقي بتحليلات متعددة المتغيرات تتعامل مع الأبعاد الستة بوصفها منظومة مترابطة لا متغيرات معزولة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشف التحليل عن ثلاثة ملفات متميزة للازدواجية هي المنخفض والمتوسط والمرتفع، مع فروق دالة عبر جميع الأبعاد عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
2، أظهرت التحليلات متعددة المتغيرات أثرًا دالًا للدور التعليمي بلغت قيمة مربع إيتا الجزئي فيه 0.230، وأثرًا دالًا للانتماء العرقي بلغت قيمته 0.108، في حين لم يكن التفاعل متعدد المتغيرات بين الدور والانتماء العرقي دالًا إذ بلغ مستوى دلالته 0.104
3، أبلغ المعلمون عن مستويات ازدواجية أعلى من الطلاب في خمسة من ستة أبعاد، وسجل المشاركون من المابوتشي درجات أعلى من غير المنتمين إلى المابوتشي عبر معظم الأبعاد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل هذه النتائج على أن الازدواجية حالة بنيوية في النظام التعليمي وليست تجربة فردية عابرة، وأنها تتوزع بصورة غير متكافئة تبعًا لمواقع الفاعلين، وتشتد في الأدوار التي تنطوي على وساطة تربوية كدور المعلم الذي يقف على الخط الفاصل بين المعرفة المدرسية الرسمية والمعرفة الأصلية، وتوجه الدراسة الأنظار إلى الحاجة إلى تحولات بنيوية في التربية بين الثقافات، لا سيما في برامج إعداد المعلمين وتأهيلهم للتعامل الواعي مع هذا التوتر بدل إنكاره، بما يجعل المدرسة فضاء يعترف بالمرجعيتين الثقافيتين ويمنح المعرفة الأصلية مكانتها المشروعة في المناهج والممارسات
كما أن ارتفاع الازدواجية لدى المعلمين مقارنة بالطلاب يفتح نقاشًا مهمًا حول الإجهاد المهني والهوية المهنية للمعلم في المدارس بين الثقافات، فالمعلم مطالب يوميًا بالترجمة بين عالمين والتوفيق بين متطلبات منهج رسمي وتوقعات مجتمع محلي، وهو عبء يحتاج إلى دعم مؤسسي وبرامج إشراف ومجتمعات مهنية لا إلى حلول فردية، وتقدم الدراسة بذلك نموذجًا يمكن تكييفه لدراسة سياقات عربية تواجه توترات مشابهة بين المعرفة الرسمية والمعارف المحلية والموروثات الثقافية للمجتمعات المختلفة
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا مقارنًا على أن الازدواجية الاجتماعية التعليمية والثقافية في مدارس سياقات المابوتشي ظاهرة بنيوية تتفاوت بحسب الدور والانتماء العرقي، وأن معالجتها تتطلب إصلاحات هيكلية في التربية بين الثقافات وفي تكوين المعلمين على وجه الخصوص








