يمثل التعلم المنظم ذاتيًا أحد أهم المنبئات بالنجاح في تعلم اللغات الأجنبية، إذ يدير المتعلم المنظم خطته ويراقب تقدمه ويضبط انفعالاته في أثناء التعلم، بينما تمثل الدافعية الجوهرية الوقود الذي يحرك هذا التنظيم من الداخل، ويحتاج المعلمون والباحثون إلى فهم كيف يستخدم الطلاب متفاوتون التحصيل استراتيجيات التنظيم الذاتي وكيف ترتبط هذه الاستراتيجيات بالتحصيل وبالدافعية في نموذج متكامل واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
فحصت الدراسة كيفية تطبيق الطلاب ذوي مستويات التحصيل المختلفة في الإنجليزية لاستراتيجيات التعلم المنظم ذاتيًا، وبحثت في استخدام ثماني فئات من هذه الاستراتيجيات من أجل التحصيل اللغوي، واستكشفت العلاقات بين التحصيل اللغوي والدافعية الجوهرية واستراتيجيات التنظيم الذاتي، وشارك في الدراسة 317 طالبًا من جامعتين فيتناميتين يتخصصون في الإنجليزية، وأكملوا استبيان استراتيجيات تعلم اللغة الأجنبية المنظم ذاتيًا والمقياس الفرعي للدافعية الجوهرية من مقياس موضع السببية المدرك، وحللت البيانات بالمقارنات بين المجموعات ونمذجة المعادلات البنائية وتحليلات الوساطة
ويقسّم أدب التعلم المنظم ذاتيًا استراتيجياته عادة إلى فئات معرفية وما وراء معرفية ودافعية ووجدانية واجتماعية وإدارية للبيئة والمصادر، ويعنى الجانب ما وراء الاجتماعي منها بكيفية استثمار المتعلم للتفاعل مع المعلم والأقران في تنظيم تعلمه، بينما تعنى الاستراتيجيات الوجدانية بإدارة المشاعر المصاحبة للتعلم كالقلق والملل والإحباط، وتعنى الدافعية منها بالحفاظ على الدافع وتجديده عبر الأهداف والتحدث الذاتي الإيجابي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن فروق دالة إحصائيًا في جميع الاستراتيجيات المقيمة بين منخفضي التحصيل وعددهم 90 طالبًا ومرتفعي التحصيل وعددهم 227 طالبًا، فالفارق بين المجموعتين شامل لا مقتصر على استراتيجية بعينها
2، حددت نمذجة المعادلات البنائية الدور الدال لثلاث فئات من الاستراتيجيات في التحصيل في اللغة الأجنبية هي الاستراتيجيات ما وراء الاجتماعية والوجدانية والدافعية، بينما لم تظهر الفئات الخمس الأخرى الأثر نفسه في النموذج
3، أكدت تحليلات الوساطة هذه الاستراتيجيات الثلاث وسيطًا بين الدافعية الجوهرية والتحصيل اللغوي، فالدافعية الجوهرية لا تصنع التحصيل مباشرة فقط بل عبر تفعيلها لممارسات تنظيمية محددة يدير بها الطالب تعلمه وعلاقاته وانفعالاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أهمية تنفيذ استراتيجيات تعليم وتعلم فعالة لتعزيز مهارات التعلم المنظم ذاتيًا لدى الطلاب من أجل اكتساب اللغة الأجنبية، وتوجه انتباه المعلمين ومصممي المناهج إلى الفئات الثلاث ذات الأثر، فتدريب الطلاب على إدارة تفاعلاتهم الاجتماعية التعليمية وضبط انفعالاتهم والحفاظ على دافعيتهم قد يكون أكثر جدوى من تدريبهم على استراتيجيات معرفية مجردة، كما أن ضعف التحصيل يرتبط بتراجع شامل في استخدام الاستراتيجيات مما يستدعي تدخلًا مبكرًا واسع النطاق لا إصلاحًا جزئيًا لمفردة واحدة
ويحظى هذا الموضوع بأهمية متزايدة في سياقات تعليم الإنجليزية لغة أجنبية في آسيا وغيرها، فالطلاب يواجهون مقررات مكثفة وتوقعات أسرية مرتفعة ومنافسة شديدة، وتتحول الدافعية الجوهرية المستندة إلى المتعة والاهتمام بالمادة إلى عامل حماية من الإنهاك والانسحاب، وتشير نتائج الدراسة إلى أن بناء هذه الدافعية لا يكفي وحده ما لم يقترن بتدريب صريح على الاستراتيجيات الوسيطة، فتعليم الطالب كيف يخطط لتعاونه مع زملائه وكيف يدير قلقه وخيباته وكيف يجدد أهدافه ومراقبة تقدمه هو ما يحول الحماس الداخلي إلى تحصيل فعلي، ويمكن لبرامج الإرشاد الأكاديمي ودورات مهارات الدراسة الجامعية أن تستثمر هذه النتائج ببناء وحدات تدريبية قصيرة في الاستراتيجيات الثلاث الأعلى أثرًا وقياس انتقال أثرها إلى أداء الطلاب اللغوي الفعلي
كما تلفت النتائج نظر مصممي تقويم اللغة إلى أهمية تضمين مهام تقيس قدرة الطالب على تنظيم تعلمه ذاتيًا إلى جانب قياس ناتجه اللغوي، فالطالب الذي يجيد التخطيط والمراقبة والتقويم الذاتي يمتلك أدوات الاستمرار في تطوير لغته بعد انتهاء المقررات الرسمية وطوال حياته المهنية
وخلاصة القول إن استراتيجيات التعلم المنظم ذاتيًا ولا سيما ما وراء الاجتماعية والوجدانية والدافعية تمثل القناة التي تعبر منها الدافعية الجوهرية إلى التحصيل اللغوي، وهو فهم يقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تعليم اللغات خريطة عملية لتصميم تدخلات ترفع كفاءة متعلمي الإنجليزية








