تشكل البنية التحتية لركوب الدراجات ركنًا أساسيًا في مفهوم التنقل الذكي، إذ تسهم في تطوير المدن وتحسين جودة حياة سكانها وخفض الانبعاثات والازدحام، وتتنوع صور هذه البنية بين المسارات المخصصة ومواقف الدراجات وأنظمة المشاركة والخدمات المصاحبة لها، ويصاحب تنامي الاهتمام بمسارات الدراجات في المدن منافع متعددة للإدارات المحلية والصناعات المرتبطة، وقد احتل هذا الاتجاه موقعًا متقدمًا في الخطاب الأكاديمي الذي يتناول آثاره الاجتماعية والاقتصادية والبيئية
ومع ذلك يلاحظ الباحثون أن النقاش حول توظيف التقنيات الرقمية الحديثة في البنية التحتية للدراجات داخل المدن الذكية ما يزال مجزأً ومتناثرًا بين تخصصات متعددة، كما أن تعدد الجهات الفاعلة من بلديات وشركات تقنية ومشغلين يزيد الحاجة إلى رؤية جامعة، ما يصعب على صانع القرار والباحث بناء صورة متكاملة عن الإمكانات والتطبيقات، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة عبر اقتراح إطار مفاهيمي ومراجعة منهجية للأدبيات الحديثة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهجين متكاملين، إذ بنى الباحثون إطارًا مفاهيميًا لدمج التقنيات الرقمية في البنية التحتية لركوب الدراجات في البيئات الحضرية، ثم دعّموا نتائجهم بمراجعة منهجية للأدبيات شملت مقالات المجلات العلمية المتخصصة المنشورة بين عامي 2020 و2025 والمسترجعة من قاعدة سكوبس، واتبعت المراجعة إرشادات بريزما لعام 2020 الخاصة بالإبلاغ عن المراجعات المنهجية والتحليلات التلوية
واستند الإطار المفاهيمي إلى تصنيف التقنيات الرقمية بحسب وظائفها في التخطيط والرصد والإدارة والتفاعل مع المستخدمين، وربطها بمراحل تطوير البنية التحتية للدراجات، بما يسمح للمدن بتشخيص موقعها الحالي من التحول الرقمي ورسم مسارات تطوير لاحقة تراعي قدراتها ومواردها وأولوياتها المحلية، كما يراعي الإطار خصوصية تجربة الدراج نفسه، من شعوره بالأمان على المسار إلى سهولة الوصول إلى معلومات الرحلة والمواقف والخدمات، فالتقنية في هذا المجال وسيلة لتحسين تجربة التنقل اليومي لا غاية في ذاتها
ثانيًا: أبرز النتائج
وأسفرت المراجعة والإطار المقترح عن نتائج رئيسة يمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
1، تبين أن توظيف التقنيات الرقمية في البنية التحتية للدراجات غير متكافئ التوزيع بين المدن والتطبيقات، إذ تتركز الحلول في مجالات محددة بينما تظل مجالات أخرى واعدة دون استثمار كافٍ، ما يعكس حداثة المجال وتفاوت قدرات المدن التقنية والمالية وتباين أولوياتها في تطوير منظومات النقل المستدام
2، برزت الحلول القائمة على إنترنت الأشياء والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي بوصفهما أكثر التقنيات صلة بتطوير البنية التحتية للدراجات، لما تتيحانه من رصد لحظي لحركة الدراجين وإدارة ذكية للمسارات والمواقف وتحسين ملموس لسلامة مستخدميها
3، رصدت الدراسة فجوة في الأدبيات القائمة تتعلق بدور القطاع الخاص، إذ ما يزال يُقدَّم غالبًا بوصفه مستفيدًا من الابتكار لا مساهمًا نشطًا فيه، رغم قدرته على تطوير التقنيات والخدمات وتشغيلها، ما يدعو إلى إعادة النظر في نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في هذا المجال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج مخططي المدن وإدارات النقل في ترتيب أولويات الاستثمار الرقمي في بنية الدراجات، وتوجه الأنظار إلى تقنيتي إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي بوصفهما نقطة انطلاق عملية، كما تدعو إلى إشراك القطاع الخاص شريكًا في الابتكار منذ مراحل التصميم الأولى لا مجرد متلقٍ لنتائجه عند التشغيل
أما بحثيًا فيمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا البناء على الإطار المفاهيمي المقترح لدراسة جاهزية المدن العربية لتقنيات الدراجات الذكية، وفحص أسباب التفاوت في التبني بين المدن، وسد فجوة دور القطاع الخاص بأدلة ميدانية من سياقات نامية تختلف ظروفها عن السياقات الغربية المدروسة غالبًا في الأدبيات، وتمثل تجارب المدن الرائدة في ركوب الدراجات مخزونًا معرفيًا غنيًا يمكن تكييفه محليًا بدل استيراده جاهزًا دون مواءمة
وخلاصة القول إن التقنيات الرقمية تفتح أمام البنية التحتية لركوب الدراجات آفاقًا واسعة ضمن منظومة المدن الذكية، وإن إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي يتصدران هذه التقنيات حضورًا، على أن استكمال الصورة يتطلب معالجة التفاوت في التطبيق وتفعيل دور القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في الابتكار والتشغيل








