تعد الروحانية عاملًا حاضرًا في القرارات المتصلة بالصحة والمرض، فهي تشكل فهم الإنسان لجسده وعلاقاته ومسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه، وحين تصبح المرأة أمًا تمر بتغيرات جسدية ونفسية واجتماعية عميقة يتعين على المهنيين الصحيين تقديم الرعاية اللازمة لها خلالها، غير أن بعض الأمهات قد يشعرن بسوء الفهم وبالوصم حين يمارسن شعائرهن الدينية ويعبرن عن روحانيتهن المتصلة بالأمومة وتربية الأطفال، ومن هنا تنبع أهمية الاستماع إلى تجارب الأمهات أنفسهن بمختلف خلفياتهن الدينية لفهم كيف تتجلى المعتقدات في الحياة اليومية للأم والطفل وكيف ينبغي أن تستجيب الرعاية الصحية لها
وتتقاطع هذه القضية مع أدبيات متنامية في الأنثروبولوجيا الطبية وعلم اجتماع الدين تؤكد أن الممارسات الصحية لا تنفصل عن المنظومات الرمزية والمعنوية التي يعيش فيها الناس في حياتهم اليومية، فالغذاء والطهارة والحماية والدعاء عناصر حاضرة في تعريف كثير من الأسر لما يعنيه أن تكون الأم صالحة والطفل محميًا، وحين تتجاهل المؤسسات الصحية هذه الأبعاد قد تفقد ثقة الأمهات والتواصل معهن، بينما يحقق الاحترام الواعي لها نتائج علاجية ووقائية أفضل، وهو ما يجعل الكفاءة الثقافية والروحية مكونًا مهنيًا لا ترفًا تواصليًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى وصف تجارب نساء من ذوات العقيدة الإسلامية والمسيحية بشأن أثر الروحانية والمعتقدات الدينية في الأمومة وتربية الأطفال، واعتمدت تصميمًا نوعيًا ظاهراتيًا وصفيًا مع مجموعتين من النساء إحداهما ذات عقيدة إسلامية والأخرى ذات عقيدة مسيحية، وجمعت البيانات من خلال ثلاث مجموعات تركيز ومقابلات معمقة سُجلت وفُرغت وحُللت بمساعدة برنامج أطلس تي آي، واتبعت الدراسة تحليلًا استقرائيًا وفق نموذج موستاكاس لاستخراج الموضوعات الجوهرية المشتركة والمختلفة من تجارب المشاركات كما عشنها وروينها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برز الموضوع الأول في الجوانب الدينية والثقافية التي تحدد تربية الأطفال، إذ توجه المعتقدات والقيم الموروثة خيارات الأمهات في التنشئة والسلوك اليومي والمناسبات والشعائر المرتبطة بالطفولة
2، تمثل الموضوع الثاني في أثر الروحانية والأسرة في دور الأم، فقد منحت الروحانية الأمهات معنى وقوة للقيام بأدوارهن، فيما شكلت الأسرة شبكة دعم أساسية في رحلة الأمومة ومسؤولياتها
3، تناول الموضوع الثالث الدعم المتلقى من العاملين الصحيين، إذ تتفاوت تجارب الأمهات بين دعم متفهم لاحتياجاتهن الروحانية ومواقف يشعرن فيها بعدم الفهم لحساسياتهن الدينية
4، تتجلى الروحانية والمعتقدات خلال الأمومة وتربية الأطفال في ممارسات ملموسة مثل تغذية الرضيع، والحاجة إلى حمايته، والحاجة إلى الدعم الذي تتلقاه الأم من محيطها الاجتماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى ضرورة أن يقدم العاملون الصحيون رعاية كفؤة ثقافيًا ومحترمة للروحانية، وألا يحكموا على المريضات انطلاقًا من روحانيتهن أو معتقداتهن، وهي دعوة تهم الممرضات والقابلات والأطباء في السياقات العربية متعددة الثقافات، إذ تساعدهم على بناء ثقة علاجية مع الأمهات وتحسين تجربتهن الصحية، كما تفتح الدراسة أمام طلاب الدراسات العليا في التمريض والصحة العامة مجالًا خصبًا لبحوث نوعية تستكشف تقاطعات الدين والصحة والأمومة بمنهجيات ظاهراتية رصينة وتحليلات مقارنة بين التقاليد الدينية المختلفة
وتستدعي النتائج أيضًا تطوير مناهج التعليم الصحي بحيث تتضمن تدريبًا على التقييم الروحي والاستماع غير الحاكم وتوثيق الاحتياجات الدينية ضمن خطط الرعاية، مع توفير بيئات رعاية تراعي أوقات العبادة والخصوصية ومتطلبات الغذاء المناسب ثقافيًا، كما تفتح الباب أمام بحوث مستقبلية تقارن بين أجيال من الأمهات وسياقات هجرة واستقرار مختلفة، وتبحث في تجارب الآباء ودورهم الروحي في التربية، بما يعمق الفهم الشامل للعلاقة بين الدين والصحة الأسرية في المجتمعات متعددة الثقافات والديانات حول العالم
وخلاصة القول إن الروحانية والمعتقدات الدينية عنصر فاعل في تجربة الأمومة وتربية الأطفال لدى النساء المسلمات والمسيحيات، وإن احترام هذا البعد شرط لتقديم رعاية صحية إنسانية شاملة تحفظ كرامة الأم وتلبي احتياجاتها الجسدية والنفسية والروحية معًا، وتظل تجارب الأمهات أنفسهن المنطلق الأصدق لأي تطوير مهني أو مؤسسي في هذا المجال الحيوي








