يعد الوعي بالاحتياطات المعيارية والالتزام بها قضية صحية جوهرية لسلامة العاملين الصحيين والمرضى على حد سواء، فهذه الاحتياطات تشمل نظافة اليدين واستخدام معدات الوقاية الشخصية والتعامل الآمن مع الأدوات الحادة وغيرها من ممارسات مكافحة العدوى، وتزداد أهميتها في وحدات العناية المركزة حيث يتعامل الطاقم مع مرضى شديدي الهشاشة وإجراءات عالية الخطورة، ومع ذلك تشير الأدبيات إلى فجوات مقلقة في الالتزام حول العالم، وتبرز حاجة ملحة إلى مزيد من البحوث في القطاع الصحي عالميًا ولا سيما في البلدان العربية، لرصد مستوى الالتزام الفعلي وكشف التحديات التي تعيقه وسبل معالجتها
وتتضمن الاحتياطات المعيارية منظومة متكاملة من الممارسات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية والهيئات المهنية، وقد صممت لتكون خط الدفاع الأول ضد العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية التي تعد من أكثر المضاعفات شيوعًا وخطورة في المستشفيات، وتنعكس فجوات الالتزام بها في أعباء علاجية واقتصادية وإنسانية كبيرة، ولذلك تحرص الدراسات الميدانية في بيئات محلية مختلفة على قياس الالتزام بأدوات مقننة تسمح بالمقارنة الدولية وتحديد أولويات التحسين في كل سياق مؤسسي ومجتمعي على حدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص مستوى التزام الممرضين والأطباء بالاحتياطات المعيارية في وحدات العناية المركزة، واستكشاف التحديات المؤثرة في التزامهم بها، واعتمدت على تصميم وصفي مقطعي طبق في مستشفى جامعي بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية، وطبق الباحثون مقياس الالتزام بالاحتياطات المعيارية على عينة بلغت 112 ممرضًا و59 طبيبًا من العاملين في وحدات العناية المركزة، وغطى القياس ممارسات الالتزام المختلفة وعلاقتها بالعوامل الاجتماعية والديموغرافية مثل العمر والخبرة وحضور الدورات التدريبية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط درجات التزام الممرضين بالاحتياطات المعيارية 36.43 في المئة بانحراف معياري قدره 15.85، وهي نسبة منخفضة تشير إلى فجوة واسعة بين الممارسة الفعلية والممارسات الموصى بها
2، جاء متوسط التزام الأطباء أقل من ذلك إذ بلغ 33.27 في المئة بانحراف معياري قدره 15.76، مما يدل على أن ضعف الالتزام مشكلة مشتركة بين الفئتين المهنيتين لا خاصة بفئة دون أخرى
3، كان الالتزام ضعيفًا في جميع الاحتياطات المعيارية المدروسة باستثناء التخلص من الأدوات الحادة الذي سجل التزامًا دون المستوى الأمثل، أي أفضل نسبيًا من غيره دون أن يبلغ المستوى المطلوب
4، تفاوت التزام الممرضين بالاحتياطات الموصى بها تفاوتًا دالًا بحسب العمر والخبرة السريرية وحضور الدورات التدريبية، مما يبرز دور التدريب والخبرة في تحسين الممارسة اليومية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن منظمات الرعاية الصحية مدعوة إلى تبني مقاربة شمولية لتعزيز الالتزام بالاحتياطات المعيارية، تجمع بين التدريب المستمر والمتابعة والتغذية الراجعة وتوفير مستلزمات الوقاية، بما يرفع جودة تقديم الرعاية ويحمي سلامة المرضى والعاملين وأصحاب المصلحة جميعًا، وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة للباحثين والممارسين في التمريض وإدارة الجودة الصحية في العالم العربي، إذ تقدم خط أساس محليًا يمكن البناء عليه في دراسات مقارنة وتدخلات تحسين مستقبلية داخل وحدات العناية المركزة وغيرها
كما تشير النتائج ضمنيًا إلى عوامل مؤسسية تستحق البحث مثل أعباء العمل ونسب الطاقم إلى المرضى وتوافر معدات الوقاية وثقافة السلامة السائدة في الوحدة، فالالتزام سلوك فردي يتشكل داخل بيئة تنظيمية قد تسهله أو تعيقه، وتدعو الدراسة القيادات التمريضية والطبية إلى تحويل نتائج القياس إلى خطط تحسين قابلة للمتابعة بمؤشرات دورية، وإلى إشراك العاملين أنفسهم في تشخيص العوائق واقتراح الحلول، بما يضمن استدامة التحسن وترسيخ ثقافة سلامة لا تعتمد على الرقابة وحدها، وفي بيئة عمل داعمة تتوافر فيها المستلزمات ويحتفى فيها بالممارسات الآمنة
وخلاصة القول إن التزام الممرضين والأطباء في وحدات العناية المركزة بجدة بالاحتياطات المعيارية ما يزال ضعيفًا في معظم ممارساته، وإن معالجة هذا الضعف أولوية مهنية ومؤسسية لحماية المرضى والكوادر الصحية على السواء، وتبقى المتابعة الدورية لقياس الالتزام ضمانة عملية لتحويل الوعي المتزايد إلى ممارسة راسخة في بيئة العمل اليومية داخل المستشفيات








