يتعاون الممارسون الصحيون بمن فيهم ممارسو صحة الفم عبر التخصصات بصورة متزايدة لمعالجة الاحتياجات الصحية المعقدة، وتعيد تشريعات هولندية جديدة تشكيل المهام والأدوار والمسؤوليات مما يستلزم تغيرات في التعاون بين أخصائيي صحة الأسنان وأطباء الأسنان، وهنا يصبح التعليم بين المهن في مكان العمل ضروريًا لإعداد الطلبة للممارسة المتطورة، غير أن البحث في آليات هذا التعليم في مجال صحة الفم ما يزال شحيحًا رغم أهميته المتزايدة
وتستكشف هذه الدراسة الإثنوغرافية الآليات المعززة والمعيقة للتعليم بين المهن في مكان العمل مركزًا على السلوك التعاوني والتعلم بين المهن لدى طلبة عيادة أسنان يديرها الطلبة أنفسهم، وهي تجربة تعليمية غنية تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التعليم الطبي والصحي المهتمين بتصميم بيئات تعلم سريرية مشتركة تعد الخريجين للعمل الجماعي الحقيقي عبر حدود التخصصات الصحية المختلفة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرى الباحثون إثنوغرافية مركزة مع طلبة بكالوريوس صحة الأسنان في السنتين الثالثة والرابعة وطلبة ماجستير طب الأسنان في السنوات الأولى والثانية والثالثة داخل عيادة أسنان يديرها الطلبة، وشملت البيانات 36 ساعة من الملاحظات عبر عشرين يوم ملاحظة ميدانية شارك فيها 18 طالبًا لصحة الأسنان و24 طالبًا لطب الأسنان، إضافة إلى 31 مقابلة مع 13 طالبًا لصحة الأسنان و16 طالبًا لطب الأسنان، وكان تحليل البيانات تكراريًا بترميز موضوعي ومفتوح صنف بحسب الأنماط لفهم أعمق، ثم صنفت الرموز وفق كفايات إطار التعليم والتعاون بين المهن لتحديد السلوكيات في العيادة، ووفق مكونات نموذج نظرية النشاط الثقافية التاريخية ومثلثاتها الفرعية لاستكشاف تأثيرها في السلوكيات، مركزًا على تقسيم العمل والقواعد وتأثير المجتمع، مع جلسات تأملية لضمان الإجماع داخل فريق البحث
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر الطلبة سلوكيات تعاونية تمثلت في توظيف الخبرات والتفاعل والقيادة المشتركة والإرشاد المتبادل داخل العيادة، غير أن الكفايات المتصلة بالقيم والأخلاقيات وبالفرق والعمل الجماعي كانت أقل تأكيدًا من غيرها، بما يكشف تطورًا غير متكافئ للكفايات الأساسية للتعاون بين المهن لدى الطلبة أثناء ممارستهم المشتركة
2، كشف نموذج نظرية النشاط الثقافية التاريخية عوامل مؤثرة في التعلم بين المهن شملت عدم يقين الطلبة وتسلسلات التغذية الراجعة الهرمية وصراعات الأدوار ومتطلبات البرامج وتضارب الخبرات وتصورات المهام والأدوار الإشرافية والقيادة والقرب المادي وقيود الوقت والعلاقات السابقة بين الطلبة، وهي عوامل بعضها يعزز التعلم المشترك وبعضها يعيقه بحسب كيفية إدارتها داخل العيادة
3، خلصت الدراسة إلى أن وضوح تحديد الأدوار والإشراف المتبادل وتبادل المعرفة النشط في عيادة يديرها الطلبة تعزز بيئة تعلم منتجة، وإن ظلت الكفايات الأساسية تتطور على نحو غير متكافئ، إذ يؤثر غموض الأدوار والاندماج من مناهج دراسية متمايزة في السلوك التعاوني بين الطلبة من التخصصين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن تعزيز التواصل والتغذية الراجعة المستمرة وتنوع الأدوار يمكن أن يحسن التعاون والتعليم بين المهن بما ينعكس على العمل الجماعي ونتائج المرضى، ومن ثم ينبغي لمصممي المناهج الصحية أن يبنوا الأدوار الواضحة والإشراف المتبادل في صميم بيئات التعلم السريري المشتركة بدل ترك التعاون للصدفة، وأن يعالجوا صراحة كفايات القيم والأخلاقيات والعمل الجماعي التي ظهر قصورها النسبي، وهي توجيهات قابلة للتطبيق في الكليات الصحية العربية الساعية إلى تخريج ممارسين قادرين على العمل ضمن فرق متعددة التخصصات في منظومات رعاية متنامية التعقيد
وتقدم الدراسة أيضًا مادة غنية لفحص العلاقة بين البنية المكانية والتنظيمية للعيادة والتعلم المشترك، فالقرب المادي بين طلبة التخصصين وتشاركهما الحالات ذاتها ومسؤوليتهما المشتركة عن المرضى تصنع فرص تعلم يومية لا توفرها المحاضرات المنفصلة، بينما قد تحول الهرميات الضمنية في التغذية الراجعة ومتطلبات التقييم المتباينة بين البرنامجين دون تحول هذه الفرص إلى تعلم عميق متبادل إذا لم تدار بوعي تربوي مقصود
وخلاصة القول إن عيادة الأسنان التي يديرها الطلبة توفر مختبرًا حيًا للتعلم بين المهن يكشف كيف تعزز الأدوار الواضحة وتبادل الخبرة التعاون وكيف يعيقه غموض الأدوار والقيود التنظيمية، وإن الاستثمار الواعي في تصميم هذه البيئات خطوة عملية لإعداد ممارسين صحيين أقدر على العمل الجماعي وخدمة المرضى بجودة أعلى








