تمثل الثقة في القيادة المدرسية ركيزة أساسية لبيئة عمل صحية يشعر فيها المعلمون بالتقدير والانتماء، فحين يدرك المعلم أن مدير مدرسته يثق به ويقدر كفاءته يميل إلى التزام تنظيمي أعمق تجاه مدرسته ومهنته، بينما قد تتسلل مشاعر العزلة والتهميش إلى نفوس المعلمين حين يغيب هذا الإدراك، فتنعكس سلبًا على ارتباطهم بمؤسساتهم، وتبرز هذه الدينامية بصورة خاصة لدى معلمي التربية البدنية والرياضة الذين قد يعانون هامشية نسبية لمادتهم داخل المدرسة
وتفحص هذه الدراسة كيفية ارتباط إدراك المعلمين لثقة مديريهم بهم بالتزامهم التنظيمي مع إيلاء عناية خاصة للدور الوسيط للتهميش والعزلة، وهي قضية تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في القيادة التربوية وعلم النفس التنظيمي والسلوك التنظيمي المدرسي، لأنها تبين آلية نفسية اجتماعية دقيقة تتحول عبرها ممارسات القيادة اليومية إلى مشاعر انتماء أو اغتراب لدى المعلمين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط إدراك المعلمين لثقة مديري مدارسهم بهم بالتزامهم التنظيمي، مع التركيز خصوصًا على الدور الوسيط للتهميش والعزلة في هذه العلاقة، وقد جمعت البيانات من 247 معلمًا للتربية البدنية والرياضة باستخدام أدوات مقننة وموثوقة تقيس ثقة المدير المدركة والالتزام التنظيمي والتهميش والعزلة، ثم أجريت تحليلات عاملية توكيدية للتحقق من بنية المقاييس وتحليلات وساطة بأسلوب إعادة المعاينة لاختبار الآثار غير المباشرة في النموذج المقترح، بما يسمح بفصل الأثر المباشر للثقة المدركة في الالتزام عن الأثر المار عبر مشاعر التهميش والعزلة لدى المعلمين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج أن ثقة المدير المدركة ارتبطت إيجابيًا بالالتزام التنظيمي لدى المعلمين وارتبطت سلبيًا بالتهميش والعزلة، فكلما ارتفع مستوى الثقة التي يدرك المعلم أن مديره يمنحه إياها انخفضت مشاعره بالتهميش والانعزال داخل مدرسته وازداد ارتباطه والتزامه تجاهها بصورة ملموسة ومتسقة
2، ارتبطت مستويات الثقة المدركة الأعلى بمشاعر أدنى من التهميش والعزلة، وارتبطت هذه المشاعر الأدنى بدورها بالتزام تنظيمي أقوى لدى المعلمين، بما يرسم مسارًا نفسيًا واضحًا تنتقل عبره إشارات الثقة القيادية إلى تعزيز الانتماء المؤسسي وتقليل الاغتراب المهني
3، كان الأثر غير المباشر للتهميش والعزلة دالًا إحصائيًا، مما يدعم فرضية الوساطة ويؤكد أن جزءًا معتبرًا من علاقة الثقة المدركة بالالتزام التنظيمي يمر عبر خفض مشاعر التهميش والعزلة، وإن ظلت العلاقة المباشرة قائمة أيضًا بما يشير إلى وساطة جزئية لا كلية في هذا النموذج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج مع الإقرار بتصميم الدراسة المقطعي إلى أن ممارسات القيادة الهادفة إلى تعزيز إدراك المعلمين لكونهم موضع ثقة ضرورية للتخفيف من مشاعر التهميش ورعاية الالتزام التنظيمي، وتتمثل التطبيقات العملية في تعزيز سلوكيات قيادية لا تبني الثقة فحسب بل تعلنها وتظهرها بوضوح للمعلمين، بما يخلق بيئة مدرسية أكثر شمولًا ودعمًا يشعر فيها جميع المعلمين بالقيمة، وهو درس مباشر لمديري المدارس العربية ولمعلمي المواد ذات الهامشية النسبية كالتربية البدنية والفنية، ويستدعي أن تولي برامج إعداد القادة التربويين عناية بمهارات إظهار الثقة والاعتراف الجلي بكفاءة المعلمين
وتنسجم هذه النتائج مع منظور العدالة التنظيمية والتبادل الاجتماعي في المدارس، فإشارات الثقة التي يبعثها المدير عبر تفويض الصلاحيات وإشراك المعلمين في القرار والاعتراف العلني بجهودهم تعمل رسائل رمزية قوية عن مكانتهم داخل الجماعة المهنية، وكلما كانت هذه الإشارات متسقة ومتكررة ترسخ لدى المعلم شعور بالأمان النفسي والانتماء يصعب أن تعوضه الحوافز المادية وحدها مهما بلغت قيمتها
غير أن الدراسة بتصميمها المقطعي لا تتيح الجزم باتجاه السببية، فقد يكون المعلمون الأعلى التزامًا أقدر على استشعار ثقة مديريهم أو أجدر بها في نظر القيادة، ومن ثم تدعو الحاجة إلى دراسات طولية وتجريبية تختبر أثر برامج تطوير القيادة المدرسية في ثقة المعلمين المدركة والتزامهم عبر الزمن، مع توسيع العينات لتشمل معلمي مواد وتخصصات ومراحل تعليمية متنوعة داخل أنظمة تعليمية مختلفة
وخلاصة القول إن ثقة مدير المدرسة كما يدركها المعلمون ليست تفصيلًا إداريًا ثانويًا بل مورد نفسي تنظيمي يعزز الالتزام ويقي من العزلة والتهميش، وإن الاستثمار القيادي في بناء هذه الثقة وإظهارها بوعي يمثل مدخلًا عمليًا لمدارس أكثر شمولًا واستقرارًا وتماسكًا في أدائها الجماعي








