لا تقتصر آثار سرطان الثدي وعلاجه الكيميائي على الجسد، بل تمتد إلى الأعباء المالية المتزايدة التي تتحملها المريضة وأسرتها، وإلى الضائقة النفسية التي تسري بين المريضة وزوجها فيتأثر كل منهما بالآخر، فالسمية المالية المتمثلة في الضغوط الاقتصادية الناجمة عن كلفة العلاج وفقدان الدخل قد تتحول إلى مصدر معاناة نفسية مزمنة، كما قد تفاقم الضائقة النفسية بدورها الإحساس بالعبء المالي في علاقة دائرية متبادلة يصعب فصل اتجاهاتها بالدراسات المقطعية
وتكتسب دراسة هذه العلاقة المتبادلة عبر الزمن أهمية خاصة لأنها تنظر إلى المريضة وزوجها وحدة ثنائية مترابطة لا فردين منفصلين، وهو منظور يلفت انتباه الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الصحي والتمريض الأورامي إلى ضرورة تصميم تدخلات دعم نفسي ومالي تستهدف الزوجين معًا وترصد تطور حالتهما عبر مراحل العلاج المختلفة لا في لحظة واحدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف التفاعل الطولي بين السمية المالية والضائقة النفسية لدى مريضات سرطان الثدي وأزواجهن استنادًا إلى نموذج الترابط بين الفاعل والشريك، وقد اختير 258 زوجًا من المريضات وأزواجهن بطريقة العينة الملائمة ليكونوا شركاء في البحث، وقيست السمية المالية بمقياسها المخصص والضائقة النفسية بميزان الضائقة لدى المريضات في ثلاث مراحل هي المرحلة المبكرة والمرحلة الوسطى ونهاية العلاج الكيميائي، ثم حللت البيانات بتحليل متقاطع متأخر يتيح فصل آثار الفاعل في نفسه عن آثار الشريك في الطرف الآخر عبر النقاط الزمنية المتتابعة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كانت آثار الفاعل للسمية المالية في الضائقة النفسية دالة لدى المريضات وأزواجهن معًا، إذ تنبأ مستوى السمية المالية لدى المريضات بضائقتهن النفسية في النقطة الزمنية التالية بمعامل سالب بلغ 0.19 بين المرحلتين الأولى والثانية وسالب 0.18 بين الثانية والثالثة، وتنبأ مستوى السمية لدى الأزواج بضائقتهم بمعامل سالب بلغ 0.15 ثم سالب 0.14 عبر المرحلتين
2، كانت آثار الفاعل للضائقة النفسية في السمية المالية دالة أيضًا في الاتجاه المعاكس، إذ تنبأت ضائقة المريضات بسميتهن المالية اللاحقة بمعامل سالب بلغ 0.18 ثم سالب 0.17، وتنبأت ضائقة الأزواج بسميتهم بمعامل سالب بلغ 0.16 ثم سالب 0.15، بما يؤكد أن العلاقة بين البعدين علاقة تبادلية ثنائية الاتجاه وليست أحادية
3، ظهرت آثار شريك دالة للضائقة النفسية في الاتجاهين، إذ تنبأت ضائقة المريضات إيجابيًا بضائقة أزواجهن في النقطة التالية بمعامل بلغ 0.18 ثم 0.17، وتنبأت ضائقة الأزواج إيجابيًا بضائقة المريضات بمعامل بلغ 0.20 عبر المرحلتين، مما يدل على انتقال الضائقة النفسية بين الزوجين وتشابك خبرتهما الانفعالية طوال رحلة العلاج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن السمية المالية والضائقة النفسية لدى مريضات سرطان الثدي وأزواجهن ترتبطان بأثر تنبؤي تبادلي على مستوى الفاعل، مع انتقال دال للضائقة النفسية بين الشريكين، وهو ما يعني عمليًا أن تقييم الحالة المالية والنفسية ينبغي أن يشمل الزوجين معًا وفي مراحل متكررة من العلاج الكيميائي لا عند التشخيص فقط، وأن التدخلات الفعالة قد تجمع بين الإرشاد المالي والدعم النفسي الثنائي، وتدريب الأزواج على التواصل والدعم المتبادل لكسر حلقة التغذية المتبادلة بين العبء المالي والمعاناة النفسية في البيئات السريرية العربية وغيرها
وتشير هذه النتائج إلى أهمية تضمين التقييم النفسي الاجتماعي الروتيني في عيادات الأورام فحصًا منتظمًا للضغوط المالية لدى المريضات وأزواجهن، إذ إن كثيرًا من الأسر تخفي معاناتها المالية خجلًا أو لاعتقادها أنها خارج اختصاص الفريق الطبي، بينما يمكن للإحالة المبكرة إلى الأخصائيين الاجتماعيين وخدمات الدعم المالي أن تخفف العبء قبل تحوله إلى ضائقة نفسية مزمنة، كما أن متابعة الزوجين عبر مراحل العلاج تتيح رصد اللحظات الحرجة التي تشتد فيها الحاجة إلى التدخل والدعم المشترك
وخلاصة القول إن هذه الدراسة الطولية ترسم صورة دينامية للعلاقة بين السمية المالية والضائقة النفسية داخل الثنائي الزوجي أثناء العلاج الكيميائي، فكل منهما يغذي الآخر عبر الزمن وتنتقل الضائقة بين الشريكين، مما يجعل الدعم الشامل للمريضة وزوجها ضرورة سريرية ونفسية لا خيارًا إضافيًا في رعاية سرطان الثدي








