تتزايد مناقشة الكفاءات الانفعالية لدى أساتذة الجامعة بوصفها أبعادًا جوهرية في الاحترافية التدريسية قد تشكل مشاركة الطلاب الأكاديمية ودافعيتهم ورفاههم النفسي، فالعلاقة بين الأستاذ والطالب ليست قناة لنقل المعرفة فحسب بل خبرة إنسانية يتخللها التعاطف والتواصل وضبط الانفعالات في مواقف ضاغطة كقاعات الامتحانات، وقد يتحدد بمناخها ما إذا كان الطالب مقبلًا على التعلم واثقًا بذاته أو منسحبًا قلقًا منه
تستكشف هذه الدراسة النوعية كيفية إدراك طلاب الجامعة للممارسات الانفعالية والعلائقية لأساتذتهم وكيفية تشكيل هذه الممارسات المدركة لخبرتهم الأكاديمية، وتنطلق من قناعة بأن صوت الطالب مصدر معرفة لا غنى عنه لفهم البعد الانفعالي للتدريس الجامعي، إذ هو الطرف الذي يتلقى أثر هذه الممارسات يوميًا في دافعيته وثقته وانتمائه، وتتجاوز الدراسة النظر إلى الكفاءة الانفعالية بوصفها استعدادًا فرديًا لدى الأستاذ لتقترح فهمها بعدًا مهنيًا ومؤسسيًا من أبعاد جودة التعليم العالي برمته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم تصورات طلاب الجامعة لممارسات أساتذتهم الانفعالية والعلائقية وكيفية تشكيل هذه الممارسات لخبرتهم الأكاديمية ورفاههم، واعتمدت المنهج النوعي فأجرت 21 مقابلة شبه منظمة مع طلاب في مرحلتي البكالوريوس والماجستير في جامعة إيطالية، وحللت البيانات بالتحليل الموضوعي لاستخلاص الأنماط المتكررة في أحاديث الطلاب عن أساتذتهم، وأتاحت المقابلات الغوص في تفاصيل المواقف الصفية والامتحانية التي علقت في ذاكرة الطلاب بوصفها داعمة أو مثبطة، وبناء صورة مركبة لأبعاد الكفاءة الانفعالية كما تدرك من مقاعد الدراسة لا من منصات التدريس
ثانيًا: أبرز النتائج
حددت الدراسة خمسة موضوعات مترابطة تختزل خبرة الطلاب مع الكفاءات الانفعالية لأساتذتهم، ويمكن إبراز أهمها في النقاط الآتية
1، التعاطف وأنسنة العلاقة بين الأستاذ والطالب، إذ وصف الطلاب الأساتذة المتعاطفين القريبين المنظمين انفعاليًا بأنهم يخففون التوتر ويعززون الثقة الأكاديمية ويدعمون المشاركة والشعور بالانتماء، بينما ارتبطت التفاعلات الجامدة أو البعيدة أو المهينة بالقلق والانسحاب وفقدان المشاركة
2، الأساليب العلائقية والتواصلية بوصفها مشكلة لمناخ الصف والدافعية، فطريقة الأستاذ في الحوار والإصغاء وإدارة الخلاف تصوغ شعور الطلاب بالأمان والرغبة في المبادرة والسؤال
3، تنظيم الانفعالات في المواقف الأكاديمية عالية الضغط ولا سيما الامتحانات، إذ تترك كيفية تعامل الأستاذ مع توتر الطلاب ونتائجهم أثرًا مباشرًا في رفاههم واستعدادهم للمحاولة مجددًا
4، الفروق المدركة عبر أنماط التدريس والسياقات التخصصية، وانتظارات الطلاب بشأن انفتاح انفعالي متوازن من الأساتذة وبشأن تطوير أعضاء هيئة التدريس مهنيًا في هذا البعد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح الدراسة ألا تعامل الكفاءة الانفعالية استعدادًا فرديًا بل بعدًا مهنيًا ومؤسسيًا في التدريس الجامعي، وتطور مفهوم السلامة النفسية الأكاديمية كما يدركها الطلاب آلية علاقية يمكن أن تؤثر بها كفاءات الأساتذة الانفعالية في رفاه الطلاب ومشاركتهم، وتبرز الحاجة إلى مبادرات تطوير لأعضاء هيئة التدريس وسياسات مؤسسية تعترف بالأبعاد الانفعالية والعلائقية للتدريس جزءًا أصيلًا من جودة التعليم العالي، وتفيد هذه الرؤية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التعليم العالي والإرشاد النفسي الجامعي، إذ يمكن محاكاة منهجها النوعي لسماع أصوات الطلاب العرب حول مناخاتهم الصفية وبناء برامج تطوير لأعضاء هيئة التدريس تستند إلى أدلة محلية
كما تفتح الدراسة نافذة على علاقة طالما وصفت ولم تقس بما يكفي بين مناخ الصف الجامعي والصحة النفسية للطلاب، إذ يشكل الأستاذ في خبرة كثير من الطلاب واجهة الجامعة الإنسانية الأولى وصوتها الذي يصلهم قبل أن تصلهم أنظمتها ولوائحها، ومن ثم فإن كل تفاعل مهين أو متجاهل لا يطال درسًا واحدًا بل قد يلوث علاقة الطالب بالمؤسسة كلها ويدفعه إلى الانسحاب الصامت من التعلم، بينما يبني التفاعل الداعم رصيدًا من الثقة يمتد أثره إلى اختيارات الطالب الأكاديمية والمهنية اللاحقة وتصوره عن ذاته بوصفه متعلمًا قادرًا
وخلاصة القول إن جودة التدريس الجامعي لا تصنعها المعرفة وحدها بل تصنعها أيضًا علاقة إنسانية آمنة يحسن فيها الأستاذ التعاطف والتواصل وضبط الانفعال، والاعتراف المؤسسي بهذا البعد وتطويره مهنيًا استثمار مباشر في رفاه الطلاب وتعلمهم وانتمائهم للجامعة








