تفرض منصات التواصل الاجتماعي سياسات متنوعة للحفاظ على بيئة إعلانية آمنة وجديرة بالثقة، غير أن مدى التزام المعلنين بهذه السياسات ومدى إنفاذ المنصات لها يظل موضع تساؤل واهتمام متزايد، وتبرز منصة تويتر، المعروفة حاليًا باسم إكس، حالة فريدة بين المنصات، إذ تسمح بنشر المحتوى المخصص للبالغين في المنشورات العادية لكنها تحظر هذا المحتوى في الإعلانات، وهو ما يجعل تدقيق إعلاناتها اختبارًا مهمًا لفاعلية الإشراف على المحتوى الإعلاني
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تدقيقًا خارجيًا واسع النطاق لا يكتفي بدراسة نصوص السياسات بل يقيس تطبيقها الفعلي على أرض الواقع، فكثيرًا ما تتسع الفجوة بين ما تعلنه المنصات من قواعد وما تمارسه فرق الإشراف لديها، ولا سيما عبر اللغات والبلدان المختلفة، ومن هنا تأتي قيمة الأدلة الكمية التي تقدمها الدراسة لصناع السياسات والباحثين والمهتمين بشفافية الإعلانات الرقمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تدقيق مدى التزام الإعلانات المنشورة على منصة تويتر بسياسة المنصة الخاصة بإعلانات المحتوى الجنسي المخصص للبالغين، وقياس مدى إنفاذ المنصة لهذه السياسة عند اكتشاف المخالفات، وقد حلل الباحثون نحو 35000 إعلان من إعلانات المنصة، مستعينين بأداة بيرسبكتيف للتحليل الآلي للمحتوى وبترميز يدوي أجراه باحثون للتحقق من تصنيفات الإعلانات المخالفة وغير المخالفة ومطابقتها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن نحو 38 في المئة من الإعلانات المدروسة تنتهك سياسة المنصة الخاصة بإعلانات المحتوى المخصص للبالغين، وهي نسبة مرتفعة تكشف اتساع حجم المخالفات في البيئة الإعلانية للمنصة
2، بينت النتائج أن المنصة لم تحذف في نهاية المطاف سوى نحو 63 في المئة من الإعلانات المخالفة التي رصدتها الدراسة، ما يعني بقاء نسبة كبيرة من الإعلانات غير الملتزمة متاحة للمستخدمين رغم مخالفتها الصريحة للسياسة المعلنة
3، رصدت الدراسة تفاوتًا واضحًا في إشراف المنصة على هذه الإعلانات عبر اللغات المختلفة، إذ اختلفت صرامة التعامل مع المخالفات باختلاف لغة الإعلان، وهو ما يشير إلى نقاط عمياء في إنفاذ السياسة ترتبط بلغات وبلدان بعينها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج الحاجة الملحة إلى ممارسات إشراف أكثر موثوقية واتساقًا عبر اللغات والبلدان، وتبرز أهمية التدقيق الخارجي المستقل بوصفه أداة لرصد الالتزام وتحسين الشفافية في الإعلانات عبر الإنترنت، كما تدعو المنصات إلى سد الفجوات التي كشفتها الدراسة في أنظمة الرصد والحذف، وتفيد هذه النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بحوكمة المنصات الرقمية ودراسات الإعلان الرقمي، إذ تقدم منهجية قابلة للتطبيق في تدقيق سياسات منصات أخرى ومقارنة إنفاذها عبر السياقات اللغوية والثقافية المختلفة
وتواجه منصات التواصل تحديات بنيوية في الإشراف على الإعلانات تحديدًا، إذ تتدفق إليها أعداد هائلة من الإعلانات يوميًا من معلنين حول العالم وبعشرات اللغات، وتتطور أساليب المعلنين المخالفين في التمويه على المحتوى المحظور، بينما تعتمد أنظمة الرصد الآلي على نماذج لغوية تتفاوت كفاءتها بين اللغات الكبرى واللغات الأقل تمثيلًا في بيانات التدريب، وهو ما يجعل قياس العدالة اللغوية في الإنفاذ جزءًا أصيلًا من تقويم حوكمة المنصات وليس تفصيلًا هامشيًا في عملها الرقابي
كما تفتح الدراسة نقاشًا أوسع حول مسؤولية المنصات تجاه الفئات الهشة من المستخدمين، فبقاء إعلانات مخالفة لسياسة المحتوى المخصص للبالغين متاحة يعني تعرض قاصرين ومستخدمين غير راغبين لمحتوى لا يناسبهم، ويبرز التفاوت اللغوي خطرًا إضافيًا يتمثل في تحول بعض البيئات اللغوية إلى ملاذات آمنة نسبيًا للمعلنين المخالفين، ما يستدعي استثمارًا متوازنًا في قدرات الإشراف البشري والآلي عبر اللغات كلها لا في اللغات الكبرى وحدها
وخلاصة القول إن الفجوة بين سياسة منصة تويتر المعلنة تجاه إعلانات المحتوى المخصص للبالغين وبين إنفاذها الفعلي ما تزال واسعة، فنحو ثلث الإعلانات المدروسة يخالف السياسة، وجزء معتبر من المخالفات يفلت من الحذف، وبعض اللغات والبلدان أقل حماية من غيرها، وهو ما يجعل التدقيق الخارجي المستمر ضرورة لضمان بيئة إعلانية آمنة وشفافة








