يعد توجيه انتباه المستخدم عبر مناطق مكانية متعددة أمرًا أساسيًا في الأنشطة الحرجة للسلامة مثل قيادة المركبات وركوب الدراجات، إذ يحتاج السائق أو الراكب إلى رصد أهداف قد تظهر خارج مجال رؤيته المباشر دون أن يفقد تركيزه على مساره، وتستطيع الإشارات البصرية المحيطية إعادة توجيه الانتباه دون إخلال بالرؤية المركزية، غير أن فعاليتها قد تتضاءل في ظل عبء بصري مرتفع أو حين تقع الأهداف خارج مجال الرؤية أصلًا، ومن ثم يصبح اختيار قناة التنبيه قرارًا مؤثرًا في السلامة لا مجرد تفضيل تصميمي
وتقدم التغذية الراجعة اللمسية قناة بديلة تعمل بصورة مستقلة عن المتطلبات البصرية، إذ تصل الإشارة إلى المستخدم عبر الاهتزاز أو اللمس مهما كان اتجاه نظره أو انشغاله البصري، ويطرح تعدد القنوات الحسية سؤالًا تصميميًا مهمًا حول القناة الأنسب لتوجيه الانتباه إلى المناطق الخلفية والأهداف غير المرئية، وحول جدوى الجمع بين القناتين في نظام مساعد واحد، وقد أثبتت بحوث تفاعل الإنسان والحاسوب أن تعدد القنوات الحسية يوزع العبء الإدراكي ويقلل احتمالات فوات التنبيهات الحرجة حين تنشغل قناة حسية واحدة بمهمة مهيمنة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى المقارنة المنهجية بين ثلاث حالات للتغذية الراجعة في مهمة بحث عن أهداف موزعة على مناطق متعددة باستخدام شاشة محمولة على الرأس، وهي حالة العرض البصري المحيطي، وحالة العرض اللمسي، وحالة الجمع بين العرض المحيطي واللمسي، وقيس أداء المشاركين في البحث عن الأهداف في المناطق البصرية المختلفة ولا سيما المنطقة الخلفية، إضافة إلى العبء الذهني والبدني المدرك وتقييمات المشاركين للحالات المختلفة، وصممت المهمة لمحاكاة مواقف السلامة الحرجة التي تتطلب رصد أهداف خارج مجال الرؤية الحالي أثناء الانشغال بمهمة مركزية، بما يسمح بعزل أثر قناة التغذية الراجعة وحدها في سرعة الرصد ودقته، واعتمدت الدراسة مهمة بحث منظمة تضبط عدد الأهداف وتوزيعها المكاني وصعوبتها عبر الحالات الثلاث، بما يضمن عدالة المقارنة بين القنوات ويعزل أثر الخلفية البصرية في الأداء
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تفوقت التغذية الراجعة اللمسية بصورة دالة على الإشارات البصرية المحيطية في البحث داخل المنطقة البصرية الخلفية، وهي المنطقة الأصعب لأن أهدافها تقع خارج مجال الرؤية الحالي للمستخدم، 2، لم يحسن الجمع بين القناتين الأداء الموضوعي بدرجة إضافية تتجاوز التغذية اللمسية وحدها، 3، خفضت الحالة متعددة القنوات العبء الذهني والبدني المدرك مقارنة بالإشارات البصرية المحيطية، وحظيت بتقييمات مرتفعة من المشاركين، 4، أثبتت التغذية اللمسية بذلك أنها توفر توجيهًا أرقى للانتباه نحو الأهداف الواقعة خارج مجال الرؤية الحالي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج إرشادات عملية لتصميم الأنظمة المساعدة متعددة القنوات في البيئات الحرجة للسلامة، فهي ترجح الاعتماد على القناة اللمسية حين يكون الهدف خارج مجال الرؤية، وتنبه إلى أن الجمع بين القنوات قد لا يرفع الأداء الموضوعي لكنه يخفف العبء المدرك ويحسن قبول المستخدم، وهو عامل حاسم في التبني الفعلي لأنظمة التنبيه داخل المركبات وعلى الدراجات، كما تؤكد الدراسة أهمية تقويم تجربة المستخدم الذاتية إلى جانب مؤشرات الأداء الموضوعي عند الحكم على أنظمة المساعدة، وتفيد هذه الدلالات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تفاعل الإنسان والحاسوب وتصميم الواجهات، إذ تعرض منهجية مقارنة دقيقة بين قنوات التغذية الراجعة يمكن نقلها إلى تطبيقات مساعدة أخرى كإرشاد ضعاف البصر وتنبيهات بيئات العمل الخطرة، ويمكن نقل هذه الرؤية إلى سياقات أخرى كتنبيه العاملين في مواقع البناء والمستودعات ومساعدة السائقين على رصد المشاة والدراجات في النقاط العمياء، حيث تكون كلفة فوات الهدف باهظة إنسانيًا وماديًا
وخلاصة القول إن التغذية الراجعة اللمسية تتفوق على الإشارات البصرية المحيطية في توجيه الانتباه إلى الأهداف الخلفية خارج مجال الرؤية، وإن الجمع بين القناتين يخفف العبء الذهني والبدني المدرك ويحظى بقبول المستخدمين، بما يوجه تصميم الأنظمة المساعدة الحسية نحو توظيف أمثل لقنوات الإدراك البشري في المواقف التي تكون فيها السلامة على المحك








