تحظى البيئة التعليمية في مرحلة الطفولة المبكرة باهتمام متزايد في الأدبيات التربوية المعاصرة، إذ تمثل الإطار اليومي الذي يعيش فيه الأطفال خبراتهم الأولى في التعلم واللعب والتفاعل الاجتماعي، وتتكون هذه البيئة من عناصر متداخلة تشمل تنظيم المساحات الداخلية والخارجية، وتوفير المواد والمعدات الملائمة، وإدارة الوقت والروتين اليومي، وفتح قنوات المشاركة أمام الأطفال وأسرهم، وهي عناصر تؤثر مجتمعة في جودة الخبرة التعليمية المقدمة للطفل وفي فرص نموه الشامل
غير أن تنظيم هذه البيئة لا يحدث تلقائيًا، بل هو فعل تربوي قصدي يمارسه المربي حين يخطط مسبقًا لكيفية ترتيب الحيز المكاني وتوزيع المواد وضبط إيقاع اليوم الدراسي بما يراعي احتياجات الأطفال واهتماماتهم، ومن هنا يحتاج المربون إلى أدوات قياس موثوقة تساعدهم على تقييم ممارساتهم ذاتيًا والتأمل فيها بعمق، خاصة أن أدوات التقييم الذاتي المقننة تمنح الممارس مرآة مهنية يكتشف من خلالها نقاط القوة ومواطن التطوير في بيئته التعليمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى التحقق من الخصائص السيكومترية لأداة تقييم ذاتي مخصصة لقياس تنظيم بيئة التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة، وإلى استكشاف كيفية إدراك مربي الطفولة المبكرة لبيئاتهم التعليمية من حيث جودتها وقصديتهم التربوية ودينامياتهم التعليمية، وتمثلت الأداة في استبانة تنظيم بيئات التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة المعروفة اختصارًا باسم إيدو إن آند أوت، وهي أداة تقرير ذاتي يجيب فيها المربون عن تصوراتهم حيال جوانب متنوعة من بيئتهم التعليمية
وغطت الأداة جوانب متعددة شملت جودة تنظيم الحيز المكاني والمواد والمعدات في الداخل والخارج، وإدارة الوقت والروتين اليومي، ومشاركة الأسرة والأطفال، والتنسيق مع الفريق التعليمي ومع قيادة المركز التعليمي، كما رصدت الأداة توصيف المربين لدينامياتهم التربوية من حيث انسيابية الروتين اليومي وفعالية الأطفال ونشاطهم واستخدام السياقات الداخلية والخارجية، وقياس قصدية المربين المتمثلة في اعتباراتهم الاستباقية عند تخطيط البيئة التعليمية ومراعاتهم الاحتياجات والاهتمامات المختلفة للأطفال، وقد طُبّقت الأداة على عينة قوامها 802 من مربي الطفولة المبكرة في البرتغال ممن يتعاملون مع أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وست سنوات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت الأداة خصائص سيكومترية جيدة تؤكد صلاحيتها لقياس تنظيم بيئات التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة، وتبرز إمكاناتها في دعم تأمل المربين في ممارساتهم المهنية وتقويمهم الذاتي المستمر
2، أبلغ المربون عن مستوى جودة أعلى في تنظيم الوقت والروتين اليومي مقارنة ببقية الجوانب، في حين جاءت الجودة أدنى في المساحات الخارجية، ومشاركة الأسرة والأطفال، والتنسيق مع قيادة المركز التعليمي
3، ارتبط ارتفاع جودة البيئة التعليمية بوجود روتين محفز يتمحور حول الطفل ويوازن بين الأنشطة الداخلية والخارجية، بما يعكس ديناميات تربوية أكثر حيوية وفاعلية في البيئات الأعلى جودة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات تطبيقية مهمة لمؤسسات إعداد مربي الطفولة المبكرة ولمديري مراكز التعليم المبكر، إذ توفر أداة مقننة يمكن توظيفها في تشخيص واقع البيئات التعليمية وتحديد أولويات التطوير المهني، كما توجه الانتباه إلى الجوانب التي ظهرت بجودة منخفضة كالمساحات الخارجية ومشاركة الأسرة بوصفها ميادين تستحق خطط تحسين مقصودة، وتفيد هذه الأداة أيضًا في بناء برامج تدريبية تستند إلى التقييم الذاتي التأملي بدل الاكتفاء بالملاحظة الخارجية
ويمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الاستفادة من هذه الدراسة في تكييف أدوات مماثلة مع الخصائص الثقافية والتنظيمية لرياض الأطفال في البيئات العربية، ودراسة العلاقة بين جودة تنظيم البيئة وقصدية المربين وديناميات التفاعل داخل القاعات الدراسية، بما يعزز قاعدة الأدلة العلمية في مجال جودة تعليم الطفولة المبكرة
وخلاصة القول إن جودة البيئة التعليمية في الطفولة المبكرة ثمرة تخطيط قصدي واع يمارسه المربي لا مجرد ترتيب مادي للمكان، وإن امتلاك أدوات قياس مصدقة علميًا يساعد المربين على رؤية ممارساتهم بوضوح وتطويرها باستمرار، وهو ما يجعل هذه الدراسة إضافة مهمة لأدبيات تقويم جودة بيئات التعلم المبكر ودعم النمو المهني للمربين








