رغم الاهتمام المتنامي بتعليم الاستدامة، ما تزال البحوث شبه التجريبية محدودة في فحص كيفية إسهام الإرشاد ما وراء المعرفي في دمج التعلم المعرفي والوجداني والموجه نحو الفاعلية في تعليم المناخ المرتبط بالغذاء، فالطلاب قد يحفظون حقائق عن انبعاثات الغذاء وبصمته البيئية دون أن يتأملوا تفكيرهم أو يربطوا المعرفة باتجاهاتهم وشعورهم بالقدرة على الفعل، بينما يقوم الإرشاد ما وراء المعرفي على موجهات تأملية ومراقبة ذاتية ونقاشات تجعل المتعلم واعيًا بعمليات فهمه وقادرًا على توجيهها نحو أهدافه
وتزداد أهمية هذا الدمج لدى المراهقين تحديدًا، إذ تتشكل عاداتهم الغذائية ومواقفهم البيئية في مرحلة عمرية حاسمة، ويحتاج تعليم المناخ إلى توليد أمل بناء يحفز الفعل بدل القلق المشل للهمم، فجاءت هذه الدراسة لتختبر وحدة تعليمية مصممة بهذا الإرشاد في سياق مدرسي لم يحظ بتمثيل كاف في الأدبيات العالمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر وحدة تعليمية من ستة دروس قائمة على الإرشاد ما وراء المعرفي في الثقافة الغذائية المستدامة لدى طلاب الصف التاسع وتصوراتهم واتجاهاتهم نحو تغير المناخ وأملهم البناء، واعتمدت تصميمًا شبه تجريبي صفيًا مدعومًا بمقابلات مع الطلاب، وشارك فيها 59 طالبًا من فصلين دراسيين قائمين في شمال إسرائيل ضمن سياق مدرسة درزية، تلقى أحدهما التدخل وتلقى الآخر تعليمًا تقليديًا في المحتوى ذاته، وجمعت البيانات الكمية باختبار معرفي في الغذاء المستدام وتغير المناخ واستبانة للثقافة المناخية، وحللت بتحليل التباين بالقياسات المتكررة مختلط التصميم واختبارات ت والانحدار المتعدد، بينما جمعت البيانات النوعية من مقابلات فردية شبه مقننة مع طلاب المجموعة التجريبية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج مكاسب دالة مرتبطة بالتدخل في معرفة الثقافة الغذائية المستدامة وتصورات تغير المناخ واتجاهاته والأمل البناء، وتراوحت آثار التفاعل بين الزمن والمجموعة عبر النتائج الرئيسة بين 0.16 و0.33 وهي أحجام متوسطة إلى كبيرة
2، برزت تصورات تغير المناخ بوصفها أقوى منبئ بعد التدخل بالأمل البناء، إذ بلغ معاملها 0.92 عند مستوى دلالة أدنى من 0.001، بما يربط عمق الفهم المناخي بالشعور البناء بالقدرة على الفعل
3، أوضحت المقابلات كيف دعمت الموجهات التأملية والمراقبة الذاتية والنقاش ونتاجات التعلم الفهم المفاهيمي والمسؤولية الأخلاقية والإحساس بالفاعلية والنوايا المعلنة قصيرة المدى لاختيارات غذائية مستدامة لدى الطلاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن الإرشاد ما وراء المعرفي قادر على دعم تعلم استدامة تكاملي موجه نحو الأمل لدى المراهقين، يصل بين المعرفة والاتجاه والفاعلية بدل تقديمها منفصلة، غير أن الدراسة تدعو إلى تفسير نتائجها بحذر نظرًا لصغر العينة غير العشوائية واقتصارها على فصلين قائمين وقصر التدخل إلى ستة دروس واعتماد نتائجها على تقارير ذاتية قصيرة المدى، وتكمن حداثتها في دمج الثقافة الغذائية المستدامة وتصورات المناخ واتجاهاته والأمل البناء ضمن وحدة غذائية مناخية واحدة موجهة ما وراء معرفيًا وفي سياق مدرسي قليل التمثيل بحثيًا، وهي دعوة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا لتوسيع الاختبار بعينات أكبر ومتابعات أطول في بيئات مدرسية عربية متنوعة
ويقوم التفكير ما وراء المعرفي على وعي المتعلم بعمليات تفكيره وقدرته على تخطيطها ومراقبتها وتقويمها أثناء التعلم، وقد أثبتت بحوث تعليم العلوم أن الموجهات التأملية البسيطة، كأن يطلب من الطالب تفسير فهمه أو التنبؤ بنتائج خياراته، تعمق المعالجة المعرفية وتربط المعرفة الجديدة بالسلوك، وفي موضوع كالغذاء المستدام تتقاطع فيه المعرفة العلمية بالقيم والعادات اليومية يصبح هذا التأمل شرطًا لتحول المعلومات إلى قناعات توجه اختيارات حقيقية في الأسواق والموائد
كما يمنح مفهوم الأمل البناء تعليم المناخ بعدًا نفسيًا يتجاوز نقل المخاطر، إذ يتوجه بالطلاب نحو إدراك إمكانات الفعل الفردي والجماعي بدل الاستسلام لسرديات العجز المناخي، وهو توجه تحتاجه المناهج العربية الباحثة عن موازنة بين وعي بيئي صادق ودافعية إيجابية لدى الناشئة
وخلاصة القول إن توجيه الطلاب إلى تأمل تفكيرهم أثناء تعلم قضايا الغذاء والمناخ أثمر مكاسب معرفية ووجدانية دالة وعزز الأمل البناء، بما يرشح الإرشاد ما وراء المعرفي مدخلًا واعدًا لتعليم استدامة يتجاوز نقل المعلومات إلى بناء الفاعلية








