يشهد تعليم العلوم في المدارس تحولًا متسارعًا بفعل انتشار التطبيقات التعليمية الذكية، وتقوم فكرة التعلم بالاستقصاء على وضع الطالب في قلب عملية التعلم بحيث يطرح الأسئلة ويستكشف المشكلات والمواقف بنفسه بدل تلقي التعليمات المباشرة طوال الوقت، وهو مدخل أثبتت دراسات كثيرة أهميته في تنمية التفكير الناقد ومهارات حل المشكلات والتعلم المستقل لدى الطلاب، غير أن معظم الأدلة المتاحة جاءت من تجارب قصيرة المدى طبقت مرة واحدة، بينما ظل السؤال مفتوحًا حول ما يحدث حين يتكرر توظيف التطبيق الذكي نفسه مع أفواج متعاقبة من الطلاب عبر سنوات عدة، وما آثاره التراكمية في الطلاب وعلى مستوى المؤسسة التعليمية ذاتها
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية هذه الدراسة التي قدمت تقييمًا متعدد السنوات لتطبيق هاتفي ذكي قائم على السرد القصصي الرقمي لدعم التعلم بالاستقصاء في العلوم، فتابعت فاعليته مع أفواج مختلفة من طلاب الصف الثامن على مدى ثلاث سنوات متتالية، لتقدم صورة أعمق عن استدامة أثر التقنية التعليمية حين تتحول من تجربة عابرة إلى ممارسة مؤسسية متكررة، وهو ما يهم المعلمين ومصممي الأنظمة التعليمية والباحثين في تكنولوجيا التعليم على حد سواء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تصميم تطبيق ذكي للتعلم بالاستقصاء في العلوم وتقييم تكرار تطبيقه مع 240 طالبًا وطالبة من طلاب الصف الثامن عبر ثلاث سنوات متتالية امتدت من عام 2023 إلى عام 2025، واعتمدت تصميمًا شبه تجريبي متعدد الأفواج، واستندت في التقييم إلى إطار الاستقصاء العلمي عبر الهاتف المحمول، وحللت البيانات الكمية والنوعية باستخدام اختبار ت للعينات المرتبطة وتحليل التباين الأحادي، إلى جانب استبانة لقياس قابلية استخدام التطبيق من وجهة نظر الطلاب، وملاحظات المعلمين أثناء الأنشطة، بما أتاح رصد التحصيل قبل التجربة وبعدها ومقارنة الأفواج الثلاثة بعضها ببعض
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج تحسنًا متسقًا في درجات الاختبار البعدي لدى أفواج الطلاب الثلاثة بعد مشاركتهم في أنشطة الاستقصاء المدعومة بالتطبيق، إذ ارتفع متوسط درجات البنات من 10.75 في الاختبار القبلي إلى 12.35 في الاختبار البعدي، وارتفع متوسط درجات البنين من 9.51 إلى 11.74
2، لوحظت فروق بين الجنسين في متوسطي الدرجات القبلية والبعدية، إلا أن تصميم الدراسة والتحليلات المتاحة لا يسمحان باستنتاجات قاطعة بشأن أثر الجنس أو تفاعله مع التدخل، وهو ما أحالته الدراسة إلى بحوث مستقبلية أكثر ضبطًا
3، أظهرت ملاحظات المعلمين تفاوتًا بين الطلاب في مستوى الألفة والثقة عند التعامل الأول مع الأجهزة المحمولة، بينما أبدى كثير من الطلاب انخراطًا قويًا أثناء أنشطة العرض النهائية التي ختمت وحدات الاستقصاء
4، دل التقييم النوعي على رضا الطلاب عن قابلية استخدام التطبيق وسهولة التعامل معه، بما يعزز الأنماط الإيجابية في التعلم وقابلية الاستخدام المرتبطة بتكرار تنفيذ التطبيق عبر السنوات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية للمعلمين ومصممي أنظمة التعلم، إذ تشير إلى أن قيمة التطبيقات الذكية لا تقاس بفاعليتها في تجربة واحدة فحسب، بل بقدرتها على إنتاج أثر متكرر حين تدمج بانتظام في تدريس العلوم، كما تنبه إلى ضرورة مراعاة الفروق الفردية في ألفة الطلاب بالأجهزة المحمولة عند بدء التطبيق، وتوفير دعم تمهيدي يقلل فجوة الثقة التقنية بين الطلاب، وتوظيف أنشطة العرض الختامية بوصفها محفزًا للانخراط، وتمثل الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا لتقييم التقنيات التعليمية بمنهجية طولية متعددة الأفواج تتجاوز حدود التجربة الواحدة قصيرة الأمد
وتكتسب منهجية التقييم متعدد السنوات أهمية خاصة في بحوث تكنولوجيا التعليم العربية، إذ تنتشر التطبيقات التعليمية في المدارس العربية بوتيرة متسارعة بينما تندر الدراسات التي تتابع أثرها عبر أفواج متعاقبة، فتقدم هذه الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا مثالًا تطبيقيًا على كيفية بناء تصميمات شبه تجريبية طولية ترصد استقرار الأثر التعليمي وتفسر تباينه في ضوء خبرة المعلمين المتراكمة ونضج الإجراءات التنظيمية المصاحبة لتوظيف التقنية في الفصول الدراسية
وخلاصة القول إن تكرار توظيف تطبيق ذكي قائم على الاستقصاء في تعليم العلوم أظهر أنماطًا إيجابية مستقرة في تحصيل الطلاب ورضاهم عن قابلية الاستخدام عبر ثلاث سنوات، بما يدعم التوسع المدروس في التعلم المحمول، مع الحاجة إلى دراسات أعمق تفحص أثر الجنس والفروق الفردية بتصميمات أكثر ضبطًا








