يحظى التعاطف بمكانة محورية في النمو النفسي والاجتماعي لطلاب الجامعة، فهو يعينهم على فهم مشاعر الآخرين ومشاركتهم وجدانيا وبناء علاقات إنسانية سوية، كما تتجه التربية الجمالية في التعليم العالي إلى دعم الجوانب غير المعرفية من شخصية الطالب، غير أن السؤال عما إذا كان تعليم التذوق الموسيقي قادرا على تنمية التعاطف فعلا، وعما إذا كانت الحساسية الجمالية وسيطا يفسر هذا الأثر، ظل سؤالا مفتوحا يحتاج إلى أدلة تجريبية رصينة تجيب عنه إجابة مقنعة
وتأتي هذه الدراسة في سياق اهتمام متزايد بتوظيف الفنون في التعليم الجامعي بوصفها مدخلا لتنمية الكفايات الوجدانية والاجتماعية، إذ يفترض أن الإصغاء الواعي للموسيقى وتحليل جمالياتها يعمقان الإحساس بالمشاعر الإنسانية المعبر عنها فنيا، بما قد ينعكس على قدرة الطالب على التعاطف مع الآخرين في حياته اليومية، وهو افتراض اختبرته الدراسة ميدانيا عبر مقرر جامعي امتد ثمانية أسابيع كاملة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار أثر مقرر في التربية الجمالية الموسيقية في تنمية التعاطف لدى طلاب الجامعة، وفحص ما إذا كانت التغيرات في الحساسية الجمالية تتوسط العلاقة بين التدخل ومكاسب التعاطف، واعتمد الباحثون تجربة شبه تجريبية على مستوى الفصل الدراسي الكامل استمرت ثمانية أسابيع، وشملت مئتين وثمانية طلاب جامعيين في فصلين دراسيين قائمين بجامعتين صينيتين، وقيست الحساسية الجمالية والتعاطف لدى الطلاب قبل التدخل وبعده
ونظرا لتداخل الطلاب داخل الفصول الدراسية استخدمت النمذجة الخطية متعددة المستويات تحليلا أساسيا، مع تحليل التغاير والترجيح باحتمالية الاختيار العكسية فحوصا لمتانة النتائج، كما اختبر الباحثون داخل الفصل التجريبي ما إذا كانت الزيادات في الحساسية الجمالية لدى الطلاب تتوسط مكاسب التعاطف الملاحظة لديهم خلال فترة المقرر وبعده
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت مكاسب التعاطف قبل المقرر وبعده داخل الفصل التجريبي بمكاسب موازية في الحساسية الجمالية، في نمط يتسق مع مسار غير مباشر يمر عبر الحساسية الجمالية ويصل التدخل بنواتجه الوجدانية
2، ازداد التعاطف ازديادا دالا داخل الفصل التجريبي خلال فترة التدخل، في حين جاءت الفروق البعدية بين الفصلين إيجابية الاتجاه لكنها لم تكن دالة على نحو منتظم في جميع التحليلات
3، أظهرت النماذج متعددة المستويات أن الحساسية الجمالية ترتبط ارتباطا إيجابيا بالتعاطف لدى الطلاب، فكلما ارتفع تذوق الطالب الجمالي للموسيقى ارتفع مستوى تعاطفه مع الآخرين
4، بيّنت تحليلات الوساطة أن الزيادات في الحساسية الجمالية تفسر إحصائيا جزءا من مكاسب التعاطف المرصودة، بما يدعم دورها آلية محتملة تربط التدخل الموسيقي بنتائجه الوجدانية لدى الطلاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن التربية الجمالية الموسيقية المدمجة في المقررات الجامعية قد تدعم تنمية التعاطف في التعليم العالي، وأن تعميق الحساسية الجمالية لدى الطلاب قد يكون إحدى الآليات التي يعمل التدخل من خلالها، وهو ما يمنح مصممي المناهج الجامعية أساسا علميا للاستثمار في مقررات الفنون لا بوصفها ترفا ثقافيا هامشيا بل بوصفها مدخلا تنمويا يستهدف الجوانب الوجدانية والاجتماعية من شخصية الطالب إلى جانب الجوانب المعرفية
ومع ذلك نبه الباحثون إلى أن التصميم شبه التجريبي وقلة عدد المجموعات العنقودية واعتماد القياس على التقارير الذاتية حدود تستدعي الحذر في التعميم، وتستلزم تصميمات أقوى وعينات أكبر لتأكيد الآثار السببية، وتمثل هذه الملاحظة درسا منهجيا مهما للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في دراسة التدخلات الفنية في البيئات الجامعية العربية، إذ يمكنهم البناء على هذا التصميم مع تجاوز حدوده بعينات أوسع وأدوات قياس متعددة المصادر
وخلاصة القول إن مقررا جامعيا في التذوق الموسيقي امتد ثمانية أسابيع ارتبط بزيادة التعاطف لدى الطلاب، وكانت الحساسية الجمالية مرتبطة إيجابيا بالتعاطف وفسرت جزءا من مكاسبه، بما يرجح أن تنمية الإحساس الجمالي بالموسيقى مدخل واعد لدعم النمو الوجداني في التعليم العالي، وإن ظلت الحاجة قائمة إلى دراسات أقوى تصميما وأوسع عينات لتثبيت هذا الاستنتاج وتعميمه على سياقات جامعية مختلفة








