يُعد التعرف على الانفعالات من تعبيرات الوجه ركيزة أساسية للتواصل الاجتماعي الناجح، إذ يتيح للفرد فهم مشاعر الآخرين والاستجابة لها على نحو ملائم، كما يرتبط تنظيم الانفعالات بالقدرة على إدارة المشاعر السلبية والإيجابية بما يخدم التكيف النفسي والاجتماعي، وتكتسب دراسة هذين المجالين أهمية خاصة لدى الناجين من السكتة الدماغية، لأن الإصابة الدماغية قد تترك آثارا اجتماعية وانفعالية دقيقة حتى عندما يبدو التعافي الجسدي ممتازا، وهو ما يجعل التقييم الاجتماعي الانفعالي جزءا لا غنى عنه من متابعة هؤلاء المرضى ورعايتهم الشاملة
وتزداد أهمية هذا الموضوع حين يتعلق الأمر بالسكتة الإقفارية الخفيفة في النصف الأيمن من الدماغ، إذ تشير الأدبيات إلى دور محوري للنصف الأيمن في معالجة المعلومات الانفعالية والاجتماعية، غير أن التعرف على انفعالات الوجه وأنماط تنظيم الانفعالات ظلا غير موصوفين وصفا كافيا لدى هذه الفئة من المرضى الذين لا يعانون إعاقة متبقية تذكر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مجالين متكاملين لدى ناجين من سكتة إقفارية خفيفة في النصف الأيمن من الدماغ ممن حققوا تعافيا وظيفيا ممتازا، وهما القدرة على تحديد انفعالات الوجه، واستراتيجيات تنظيم الانفعالات، وشملت العينة ثلاثة وخمسين ناجيا بعد مرور مدة تتراوح بين اثني عشر شهرا وأربعة وعشرين شهرا على الإصابة، وكانت درجاتهم على مقياس رانكن المعدل أقل من درجتين، إلى جانب ستين فردا سليما عصبيا بوصفهم مجموعة ضابطة
وطبق الباحثون مهمة اختيار قسري تضمنت أربعة وعشرين بندا غطت الانفعالات الأساسية الستة، إضافة إلى استبيان تنظيم الانفعالات الذي يقيس استراتيجيتي إعادة التقييم المعرفي والكبت التعبيري، ثم حللوا الفروق بين المجموعتين والارتباطات بين التنظيم والتعرف باستخدام تحليل التباين للقياسات المتكررة وتحليل التغاير، مع إدخال الحالة المعرفية العامة المقاسة بمقياس مونتريال للتقييم المعرفي ومؤشرات تنظيم الانفعالات متغيرات مصاحبة في النماذج الإحصائية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر الناجون من السكتة في النموذج غير المعدل دقة كلية أدنى في التعرف على الانفعالات مقارنة بالأصحاء، مع تفاعل دال إحصائيا بين نوع الانفعال والمجموعة، وكانت الفروق الأوضح بين المجموعتين في انفعالات الغضب والاشمئزاز والخوف
2، أفاد الناجون بمستويات أعلى بكثير من الكبت التعبيري ومستويات أدنى من إعادة التقييم المعرفي مقارنة بالمجموعة الضابطة، بما يعكس نمطا تنظيميا أقل تكيفا في التعامل مع الانفعالات
3، حين أُدخلت الدرجة المعرفية العامة متغيرا مصاحبا وحيدا لم تعد الفروق بين المجموعتين في الدقة الكلية دالة، بما يشير إلى أن التراجع العام في الدقة مرتبط إلى حد كبير بالآثار المعرفية الخفيفة المترتبة على سكتة النصف الأيمن من الدماغ
4، احتفظ التفاعل بين نوع الانفعال والمجموعة بدلالته الإحصائية وبحجم أثر مماثل عند ضبط الحالة المعرفية، ولم يفقد دلالته إلا في النموذج الموسع الذي ضبط الحالة المعرفية ومؤشرات تنظيم الانفعالات معا
5، أظهر الكبت التعبيري ارتباطا دالا معتمدا على نوع الانفعال مع دقة التعرف بعد ضبط مؤشرات التنظيم والحالة المعرفية، في حين لم يظهر ذلك لإعادة التقييم المعرفي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف النتائج عن انفصال وظيفي مهم، فالمستوى العام للتعرف على انفعالات الوجه حساس للسلامة المعرفية العامة، في حين يمثل تنظيم الانفعالات المعتاد بعدا اجتماعيا انفعاليا أعلى مرتبة ومستقلا معرفيا يتأثر بالسكتة الخفيفة، ويعني ذلك أن حسن التعافي الظاهر لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن تقييم الجوانب الاجتماعية الانفعالية لدى الناجين، فقد تخفي الوظائف اليومية السليمة صعوبات حقيقية في قراءة مشاعر الآخرين وإدارة انفعالاتهم
وتدعو الدراسة إلى اعتماد تقييم اجتماعي انفعالي مخصص ضمن متابعة الناجين ذوي التعافي الجيد، مع اهتمام خاص بتوصيف أنماط تنظيم الانفعالات لأنها قد تكون هدفا مناسبا للتدخلات التأهيلية والدعم النفسي، كما تفتح النتائج الباب أمام بحوث مستقبلية تربط هذه الأنماط بآليات الآفة الدماغية وتختبر تدخلات لتحسين التكيف الاجتماعي، وهو مسار يهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس العصبي والتأهيل
وخلاصة القول إن التعافي الجيد من السكتة الدماغية الإقفارية الخفيفة لا يعني تعافيا كاملا على الصعيد الاجتماعي الانفعالي، فقد بيّنت الدراسة أن الناجين يعانون تراجعا في التعرف على انفعالات الوجه ولا سيما الغضب والاشمئزاز والخوف، ويميلون إلى الكبت التعبيري أكثر من الأصحاء وعلى نحو مستقل عن حالتهم المعرفية، الأمر الذي يجعل التقييم الاجتماعي الانفعالي المخصص ودراسة تنظيم الانفعالات ضرورة علمية وعملية في رعاية هذه الفئة








