تمثل الممارسات البحثية المشكوك فيها سلوكيات تنحرف عن معايير النزاهة العلمية دون أن تبلغ حد التزوير الصريح، كالتلاعب في عرض النتائج أو حذف البيانات غير الملائمة أو الصياغة الانتقائية للفرضيات بعد الاطلاع على النتائج، وهي ممارسات تآكلية تضعف موثوقية الأدبيات العلمية وتشوه تراكم المعرفة، ولا يمكن تفسير انتشارها بعوامل فردية وحدها، إذ تتفاعل في إنتاجها خصائص الباحث مع ثقافة المؤسسة التي يعمل فيها وسياساتها المعلنة والممارسة على أرض الواقع، وتشير الأدبيات المتراكمة إلى أن هذه الممارسات أكثر شيوعًا من الغش العلمي الصريح وأصعب اكتشافًا منه بكثير
وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في ظل توسع منظومات البحث العلمي العربية وتصاعد ضغوط النشر الكمي المرتبطة بالترقيات والتصنيفات، ففهم محددات الانخراط في الممارسات المشكوك فيها خطوة ضرورية لتصميم تدخلات فعالة تعزز النزاهة، وتأتي هذه الدراسة لتختبر في نموذج واحد أثر عوامل فردية كالالتزام بالمعايير العلمية والمجال الأكاديمي، وعوامل مؤسسية كثقافة البحث ووعي الباحثين بسياسات النزاهة في مؤسساتهم، فالبيئات البحثية العربية الفتية بحاجة إلى أدلة عالمية محكمة تساعدها على استباق هذه المشكلات بدل الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوعها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص محددات الانخراط في الممارسات البحثية المشكوك فيها على مستويين، مستوى فردي يشمل المجال الأكاديمي والالتزام بالمعايير العلمية والنوع الاجتماعي ونوع العقد والمرحلة المهنية، ومستوى مؤسسي يشمل نوع القطاع وتصورات الباحثين لثقافة البحث في مؤسساتهم ومدى وعيهم بسياسات النزاهة البحثية المؤسسية، واعتمدت الدراسة أسلوب النمذجة متعددة المستويات لتحليل بيانات مسح دولي شمل باحثين يعملون في مجالات تخصصية متنوعة، بما يتيح تقدير آثار العوامل الفردية والمؤسسية في آن واحد، وفصل تباين المؤسسات والبلدان عن تباين الأفراد، وبهذا تجمع الدراسة بين عدسة تحليلية دقيقة ترصد خصائص الفرد وعدسة أوسع ترصد المؤسسة والمجتمع العلمي الذي يعمل فيه الباحث
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن نوع العقد والمرحلة المهنية والمجال الأكاديمي والتمسك بالمعايير العلمية والنوع الاجتماعي تنبأت بدرجة دالة بالانخراط في الممارسات البحثية المشكوك فيها، فاختلفت احتمالات الانخراط باختلاف أوضاع الباحثين التعاقدية ومواقعهم في السلم المهني ودرجة التزامهم المعلن بقواعد العلم، ويعني ذلك أن الهشاشة التعاقدية وبدايات المسار المهني مرحلتان تستحقان عناية خاصة في سياسات الدعم والإرشاد الأكاديمي
2، على المستوى المؤسسي ظهرت ارتباطات محدودة الحجم لعوامل منها العمل خارج ثقافة الزمالة الداعمة، والتعرض لضغوط نشر ضارة، ووجود ضمانات مؤسسية ضد انتهاكات النزاهة، بما يشير إلى أن أثر السياق المؤسسي حقيقي وإن كان أصغر من أثر الخصائص الفردية
3، عزيت نسبة ضئيلة فقط من التباين في الانخراط في الممارسات المشكوك فيها إلى الفروق بين المؤسسات والبلدان، إذ تمركز معظم التباين على مستوى الأفراد أنفسهم، وهو ما يوجه الأنظار إلى أن المعركة الأساسية ضد هذه الممارسات تدار في مستوى التكوين والتنشئة العلمية للباحث
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تناقش الدراسة انعكاسات نتائجها على تطوير تدخلات فعالة لخفض الممارسات البحثية المشكوك فيها، مؤكدة أهمية معالجة العوامل الفردية والمؤسسية معًا في جهود تعزيز النزاهة البحثية، فعلى المستوى الفردي يبرز دور تدريب الباحثين المبكر وترسيخ المعايير العلمية وقيمها في برامج الدراسات العليا، وعلى المستوى المؤسسي يبرز دور بناء ثقافات بحثية زمالية داعمة، وتخفيف ضغوط النشر الضارة، وتفعيل ضمانات واضحة ضد انتهاكات النزاهة، وهي توجهات ذات صلة مباشرة بالجامعات ومراكز البحث العربية الساعية إلى ترسيخ منظومات نزاهة بحثية ناضجة، ويشمل ذلك تحديث لوائح الترقيات الأكاديمية بحيث تكافئ جودة البحث ونزاهته المنهجية لا عدد المنشورات وحده
وخلاصة القول إن الانخراط في الممارسات البحثية المشكوك فيها ظاهرة متعددة المحددات تتشكل أساسًا بخصائص الباحثين ومعاييرهم، وتتأثر بدرجة أخف بثقافات مؤسساتهم وسياساتها، ومن ثم فإن حماية نزاهة البحث العلمي في البيئات العربية والعالمية تتطلب مقاربة مزدوجة تجمع بين تكوين الباحث الأخلاقي والمهني وبين إصلاح البيئة المؤسسية المحفزة، لا الاكتفاء بأي منهما على حدة، فالنزاهة في نهاية المطاف ثقافة مهنية تبنى يوميًا بالممارسة الواعية والقدوة الحسنة والمساءلة العادلة داخل المجتمع العلمي








