تتنافس منظمات الرعاية الصحية الخاصة في الوقت الراهن على ثقافتها الداخلية وعلى اتساق وصول هذه الثقافة إلى المرضى، ولا سيما في الوجهات التي يتداخل فيها العلاج مع السياحة الثقافية، إذ لم يعد التميز مقصورًا على جودة الخدمة الطبية وحدها، بل امتد إلى الصورة التي ينقلها الموظفون عن مؤسساتهم عبر القنوات الرقمية، فالموظف الملتزم بمؤسسته يتحول إلى سفير رقمي يروج للمقومات الثقافية لوجهته العلاجية، ويعزز ثقة المرضى المحتملين، ويسهم في بناء سمعة المؤسسة على المنصات الإلكترونية المختلفة
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في إدارة الأعمال وإدارة الخدمات الصحية والسياحة العلاجية، إذ تقدم إطارًا مفاهيميًا يربط بين الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية والالتزام التنظيمي من جهة، والسلوك الرقمي التطوعي للموظفين من جهة أخرى، وهو ربط لم يحظ بالفحص الكافي في الأدبيات السابقة، كما تقدم مقياسًا جديدًا يمكن للباحثين توظيفه وتكييفه في بيئات عربية تشهد نموًا متسارعًا في السياحة العلاجية والثقافية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توسيع إطار نظري قائم يربط بين الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية والالتزام التنظيمي، وذلك بإضافة متغير جديد يتمثل في انخراط الموظفين الرقمي في الترويج للسياحة الثقافية بوصفه نتيجة بعيدة المدى لهذا الإطار، وقد طورت الدراسة مقياسًا جديدًا لقياس هذا الانخراط الرقمي، واعتمدت على استبانة منظمة وزعت على عينة قوامها 247 مهنيًا يعملون في ثلاث مؤسسات خاصة للرعاية الصحية في اليونان، ثم حللت البيانات باستخدام التحليل العاملي التوكيدي للتحقق من صدق المقاييس، وتحليل الارتباط، وتحليل الانحدار المتعدد، وتحليل الوساطة بتقنية إعادة المعاينة المعروفة بالبوتستراب للكشف عن الآثار غير المباشرة بين المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية ارتبطا ارتباطًا إيجابيًا بالتزام الموظفين تجاه مؤسساتهم، فكلما كانت الرسائل الداخلية أوضح وكانت هوية المؤسسة وقيمها حاضرة في وعي الموظفين، ارتفع مستوى التزامهم وارتباطهم بها
2، تبين أن العلامة الداخلية لعبت دور الوسيط الجزئي في العلاقة بين الاتصال التنظيمي والالتزام، بما يعني أن أثر الاتصال في الالتزام يمر جزئيًا عبر ما يبنيه هذا الاتصال من صورة ذهنية إيجابية عن المؤسسة لدى موظفيها
3، كان الالتزام التنظيمي أقوى متنبئ بالانخراط الرقمي للموظفين في الترويج للسياحة الثقافية، متفوقًا في قوته التنبؤية على الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية، فالموظف الأكثر التزامًا هو الأكثر استعدادًا للترويج الطوعي عبر حساباته ومنصاته الرقمية
4، لعب الالتزام دور الوسيط الجزئي في علاقتي الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية بالانخراط الرقمي، بما يشير إلى أن تحويل الموظف إلى مروج رقمي نشط يمر عبر بناء التزامه أولًا، مع بقاء آثار مباشرة للاتصال والعلامة في هذا الانخراط
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن مديري مؤسسات الرعاية الصحية الراغبين في تشجيع الترويج الرقمي التطوعي لدى موظفيهم ينبغي أن يعاملوا الاتصال التنظيمي والعلامة الداخلية بوصفهما رافعتين متكاملتين لا بديلتين، فالاتصال الفعال وحده لا يكفي ما لم يقترن ببناء هوية داخلية متماسكة يشعر الموظف بالانتماء إليها، كما أن بناء الالتزام يمثل الحلقة المركزية التي تحول الجهود الإدارية إلى سلوك رقمي فعلي، وتنبه الدراسة إلى أن تصميمها المقطعي يجعل العلاقات المكتشفة ارتباطات لا آثارًا سببية، وهو ما يدعو الباحثين إلى توخي الحذر في التعميم وإلى اختبار هذه العلاقات بدراسات طولية مستقبلًا، كما يمكن توظيف هذه النتائج في تصميم برامج إرشاد للموظفين الجدد تعرفهم بهوية مؤسساتهم وقيمها وطموحاتها الرقمية منذ اليوم الأول لالتحاقهم بالعمل
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم إضافة معرفية وتطبيقية في آن واحد، إذ وسعت إطارًا نظريًا معروفًا بمتغير سلوكي رقمي جديد، وقدمت مقياسًا قابلًا للتوظيف في دراسات لاحقة، وأظهرت أن الطريق إلى ترويج رقمي فعال للسياحة الثقافية يبدأ من داخل المؤسسة الصحية ذاتها، من اتصالها بموظفيها وعلامتها الداخلية والتزامهم، وهي رسالة ذات قيمة للباحثين والممارسين في البيئات العربية الساعية إلى تطوير سياحتها العلاجية والثقافية








