يمارس قطاع السياحة ضغطًا كبيرًا على الاستدامة البيئية وخاصة فيما يتصل بالموارد الطبيعية، ويقف موظفو الفنادق في قلب هذا المشهد بحكم تماسهم اليومي مع استهلاك الطاقة والمياه وإدارة النفايات، ويؤدي السلوك البيئي النشط الذي يبادر به الأفراد بوعي وتطوع لدعم الاستدامة وحماية البيئة دورًا حاسمًا في الأداء البيئي للمنشآت، كما يرتبط في الوقت نفسه بالرفاه البيئي الذي يعيشه الموظفون أنفسهم في بيئة عملهم وحياتهم
وتهدف هذه الدراسة إلى فحص العلاقة بين السلوكيات البيئية النشطة والرفاه البيئي المعيش لدى موظفي الفنادق، وكشف الدور الوسيط الذي تؤديه الاستدامة البيئية في هذه العلاقة، بما يعمق فهم الكيفية التي تتحول بها الممارسات البيئية الفردية إلى شعور معيش بالرفاه البيئي داخل منشآت الضيافة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى اختبار نموذج وسيط يربط السلوكيات البيئية النشطة بالرفاه البيئي المعيش عبر الاستدامة البيئية لدى موظفي الفنادق، وجمعت البيانات من 303 موظفين في فنادق بتركيا عبر استبانات إلكترونية وأخرى مباشرة وجهًا لوجه، وحللت العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات مع اختبار دلالة الأثر الوسيط بفواصل ثقة محسوبة بتقنية المعاينة الذاتية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ظهرت علاقة كلية دالة إحصائيًا بين السلوكيات البيئية النشطة والرفاه البيئي المعيش لدى موظفي الفنادق، إذ بلغ معامل العلاقة 0.464 عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
2، بقيت العلاقة المباشرة بين السلوكيات البيئية النشطة والرفاه البيئي المعيش دالة بعد إدخال الاستدامة البيئية في النموذج، إذ بلغ معاملها 0.236 عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
3، كانت العلاقة غير المباشرة عبر الاستدامة البيئية دالة إحصائيًا أيضًا، إذ بلغ معاملها 0.228 وامتد فاصل ثقة المعاينة الذاتية عند مستوى 95 في المئة من 0.1428 إلى 0.3272 دون أن يتضمن الصفر
4، تستأثر الاستدامة البيئية بجزء من العلاقة بين السلوكيات البيئية النشطة والرفاه البيئي المعيش، بما يؤكد وساطة جزئية لا كلية لهذا المتغير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه النتائج في فهم كيفية ارتباط ممارسات الموظفين البيئية النشطة برفاههم البيئي المعيش، وتوضح أن جانبًا من هذا الارتباط يمر عبر ما يتحقق فعليًا من استدامة بيئية في بيئة العمل، فحين يرى الموظف ثمار سلوكه البيئي متجسدة في منشأة أكثر استدامة يتعمق شعوره بالرفاه البيئي، وتدعو النتائج إدارات الفنادق إلى تمكين موظفيها من المبادرات البيئية وإشراكهم في برامج الاستدامة وإبراز آثارها الملموسة، بدل الاكتفاء بالشعارات البيئية التسويقية، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في إدارة الضيافة والسياحة بنموذج وسيط قابل للاختبار في فنادق عربية تعمل على رفع أدائها البيئي ورفاه موظفيها في آن واحد
ويتصل الرفاه البيئي المعيش بتجربة الموظف اليومية لجودة بيئته المحيطة داخل الفندق وخارجه، من هواء وماء ومساحات خضراء ومستوى تلوث وضجيج، وهو مفهوم أوسع من الرضا الوظيفي لأنه يربط الإحساس بالعافية بالمكان والطبيعة والشعور بالانسجام مع المحيط، وحين يمارس الموظف سلوكيات بيئية نشطة كترشيد الاستهلاك وفرز النفايات وحماية الموارد يتعزز شعوره بالفاعلية والمعنى، لكن الدراسة تبين أن هذا الأثر يتعاظم حين يجد السلوك صداه مؤسسيًا في سياسات استدامة حقيقية يلمسها الموظف في إجراءات المنشأة وقراراتها
وفي المقابل، تحذر الأدبيات المتنامية حول الغسل الأخضر من أن شعارات الاستدامة التسويقية التي لا تسندها ممارسات فعلية قد تولد لدى الموظفين شعورًا بالتنافر وعدم الثقة ينعكس سلبًا على رفاههم والتزامهم، وهو ما يجعل وساطة الاستدامة البيئية الفعلية في نتائج هذه الدراسة ذات دلالة إدارية مباشرة، إذ ينبغي أن تستثمر الفنادق في بنية استدامة مرئية وقابلة للقياس كأنظمة توفير الطاقة والمياه وبرامج تقليل الهدر، وأن تشرك الموظفين في تصميمها ومتابعة مؤشراتها والاحتفاء بنتائجها، فتحقق بذلك مكاسب بيئية واقتصادية ونفسية متزامنة
وخلاصة القول إن السلوكيات البيئية النشطة لدى موظفي الفنادق ترتبط ارتباطًا دالًا برفاههم البيئي المعيش، وإن الاستدامة البيئية تتوسط جزءًا معتبرًا من هذه العلاقة، بما يجعل الاستثمار في ممارسات الاستدامة الحقيقية مدخلًا مزدوج الفائدة للمنشأة وموظفيها








