تهيمن المنصات الرقمية العالمية بصورة متزايدة على إنتاج المحتوى الثقافي وتداوله في العالم، وتمتد هذه الهيمنة إلى الأسواق الثقافية الآسيوية التي تشهد تحولات عميقة في بنية الإنتاج والاستهلاك الثقافي، وقد صاغت الأدبيات مفهوم إمبريالية المنصات لوصف هذا النمط الجديد من الهيمنة الذي تمارسه المنصات عبر التحكم في قنوات التوزيع والخوارزميات والبيانات، متجاوزة بذلك أشكال الإمبريالية الثقافية التقليدية المرتبطة بتدفقات الإعلام الأحادي الاتجاه
وتنطلق هذه المقالة من منظورات آسيوية لفحص كيفية بناء المنصات الرقمية لهذه الإمبريالية داخل الأسواق الثقافية في آسيا، مركزًا على قطاع السمعي البصري الذي يشمل البث والسينما والموسيقى الشعبية، وهي قطاعات تشهد منافسة محتدمة بين المنصات العالمية الكبرى والمنصات المحلية الصاعدة التي تحاول الحفاظ على حضورها في أسواقها الوطنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المقالة إلى تحليل كيفية بناء المنصات الرقمية العالمية للإمبريالية في الأسواق الثقافية الآسيوية عبر تتبع الدور المتنامي لهذه المنصات في الإنتاج الثقافي وتداول المحتوى داخل آسيا، واعتمدت معالجة نظرية تحليلية تقارن بين شرق آسيا ومناطق أخرى في العالم لتحديد أوجه التشابه والاختلاف في بناء إمبريالية المنصات، كما فحصت ما إذا كانت المنصات الرقمية الغربية تديم حلقة مفرغة في المجال الثقافي المحلي رغم نمو المنصات الرقمية المحلية في آسيا، وتأملت الانعكاسات الأوسع لهذه الديناميكية على الأسواق الثقافية العالمية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وسعت المنصات الرقمية العالمية في القطاع السمعي البصري حصصها السوقية في الأسواق الثقافية الآسيوية بصورة مطردة عبر البث والسينما والموسيقى الشعبية
2، تتحكم هذه المنصات في إنتاج المحتوى الثقافي وتداوله داخل آسيا بصورة تجعل حضورها عاملًا بنيويًا في تشكيل الذائقة والطلب الثقافي
3، تتباين صورة بناء إمبريالية المنصات بين شرق آسيا ومناطق أخرى تبعًا لخصوصيات الأسواق المحلية وقدرة الفاعلين الثقافيين فيها
4، تستمر المنصات الرقمية الغربية في إدامة حلقة مفرغة داخل المجال الثقافي المحلي رغم النمو الملحوظ الذي حققته المنصات المحلية الآسيوية
5، تمتد انعكاسات هذه الهيمنة إلى الأسواق الثقافية العالمية بما يعيد تشكيل علاقات القوة بين المراكز الثقافية الكبرى والأطراف الصاعدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح المقالة أفقًا نظريًا مهمًا لدراسات الإعلام والثقافة في المنطقة العربية، إذ تتشابه كثير من الأسواق الثقافية العربية في تعرضها لهيمنة المنصات العالمية ذاتها في البث والموسيقى والترفيه، ويتيح مفهوم إمبريالية المنصات للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا أدوات تحليلية لفهم كيفية تأثير الخوارزميات وسياسات المحتوى في الإنتاج الثقافي المحلي وفرص المنصات العربية الناشئة في المنافسة، كما يدعو صانعي السياسات الثقافية إلى التفكير في أطر تنظيمية تحمي التنوع الثقافي دون الانغلاق عن الاقتصاد الرقمي العالمي، مع الإشارة إلى أن المقالة معالجة نظرية تحليلية تستدعي دراسات ميدانية لاحقة لاختبار أطروحاتها في سياقات محلية متنوعة
ويستند مفهوم إمبريالية المنصات إلى تراث نظري أقدم في نقد الإمبريالية الثقافية وتدفقات الإعلام العالمية، غير أنه يجدد هذا التراث بما يناسب عصر المنصات، إذ لم تعد الهيمنة تمارس عبر تصدير المحتوى الجاهز فحسب، بل عبر امتلاك البنى التحتية الرقمية التي يمر خلالها المحتوى المحلي ذاته، فالمنصة التي تستضيف الإنتاج الثقافي المحلي وتتحكم في خوارزميات اكتشافه وترتيبه تمارس سلطة أعمق من سلطة المصدّر التقليدي للمحتوى، لأنها تحدد شروط الظهور والانتشار ذاتها، ومن هنا تنبع الحاجة إلى أطر تحليلية ترصد هذه الطبقة الجديدة من القوة وتداعياتها على التنوع الثقافي والسيادة الرقمية للشعوب والدول في آسيا وسائر مناطق العالم النامي، وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا مع تسارع التحولات الرقمية التي تعيد رسم حدود الأسواق الثقافية الوطنية وعلاقتها بمراكز الإنتاج والتوزيع الثقافي العالمية الكبرى
وخلاصة القول إن إمبريالية المنصات الرقمية العالمية في الأسواق الثقافية الآسيوية حقيقة بنيوية تتجلى في توسع الحصص السوقية والتحكم في التداول الثقافي وإدامة حلقة مفرغة تحد من استقلالية المجال الثقافي المحلي، وإن قراءتها من منظورات آسيوية تقدم إطارًا نقديًا يثري فهم تحولات الأسواق الثقافية العالمية المعاصرة








