يعد التأهب للكوارث أمرًا حاسمًا لإدارة الطوارئ المعقدة، غير أن الأطر التعليمية في هذا المجال غالبًا ما تكون غير متطورة أو مطبقة بصورة غير متسقة عبر السياقات الوطنية، فتتفاوت جاهزية المهنيين الصحيين لمواجهة الأزمات الكبرى عند وقوعها، ويهم هذا الموضوع الباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في التعليم الطبي وإدارة الأزمات الصحية، إذ تحتاج الأنظمة الصحية في المنطقة إلى برامج منظمة تبني كفايات طب الكوارث لدى كوادرها وتعد مدربين قادرين على نقل هذه الكفايات إلى فرق أوسع، فالكوارث لا تنتظر اكتمال الإعداد، والجاهزية الحقيقية تبنى قبل الحدث لا أثناءه، وتنسجم هذه الحاجة مع طبيعة الكوارث المعاصرة التي تتجاوز حدود التخصص الواحد والقطاع الواحد، إذ تتطلب استجابة منسقة بين المستشفيات وخدمات الإسعاف والجهات الأمنية والإدارية، ما يجعل التدريب المشترك العابر للقطاعات ضرورة لا ترفًا تعليميًا في منظومات التأهب الحديثة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
قدمت الدراسة برنامج التأهب وطب الكوارث المعروف باسم براد ميد وقومته، وهو مبادرة تعليمية جديدة طورت في السويد لتعزيز الاستجابة للكوارث لدى المهنيين الصحيين، واستلهم البرنامج أطر الكفايات العالمية في هذا المجال وهدف إلى دمج مقاربات تعلم نظرية وعملية وتعاونية على المستويين الوطني والدولي لتقوية التأهب التنظيمي والفردي بصورة منظمة، واعتمدت الدراسة منهجًا مختلطًا فجمعت بيانات كمية عبر استبانة من 29 سؤالًا قاست معرفة المشاركين وثقتهم وإدراكهم لملاءمة البرنامج، وبيانات نوعية عبر مقابلات جماعية مركزة وتقويمات بالملاحظة أتاحت رؤى حول تجارب المشاركين وأثر البرنامج في التعاون متعدد التخصصات والقيادة والتأهب التنظيمي، وتميز البرنامج بتصميم وحداتي اشتمل على تمارين على الطاولة وتمارين محاكاة وحداتية، وصمم البرنامج بوحدات متتابعة تجمع بين الأسس النظرية والتمارين العملية بما يتيح للمشاركين الانتقال من فهم المفاهيم إلى ممارسة أدوار قيادية وتنسيقية في سيناريوهات تحاكي كوارث واقعية متدرجة التعقيد
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شارك في البرنامج 16 طبيبًا يمثلون تخصصات طبية متنوعة، وأظهرت النتائج الكمية تحسنًا دالًا في المعرفة، إذ قيم 94 في المئة من المشاركين كفايتهم في طب الكوارث بعد البرنامج بأنها مرتفعة أو مرتفعة جدًا
2، حظيت مهارات القيادة والتعاون بتقويم مرتفع من المشاركين، إذ حدد 87 في المئة منهم تحسنًا في قدراتهم على اتخاذ القرار والعمل الجماعي في سياقات الطوارئ والكوارث
3، أكدت البيانات النوعية وتقارير الملاحظين الأثر التحولي لتمارين المحاكاة والتمارين العابرة للقطاعات، إذ عمقت فهم المشاركين لأدوارهم وأدوار غيرهم ولقنوات التواصل الواجبة في سيناريوهات الكوارث المعقدة
4، أبرز المشاركون في المقابلات الجماعية المركزة قيمة العمل ضمن فرق متعددة التخصصات والقطاعات أثناء التمارين، إذ اختبروا عمليًا صعوبات التنسيق وتوزيع الأدوار تحت الضغط واكتسبوا فهمًا أعمق لمتطلبات القيادة والتواصل الفعال في المواقف الطارئة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
أظهر البرنامج إمكانات قوية لمعالجة الفجوات القائمة في تعليم طب الكوارث بتزويد المهنيين الصحيين بالمعرفة والمهارات اللازمة ليصبحوا مدربين مستقبليين في محاكاة الكوارث والتأهب لها، وبتركيزه على القيادة والتعاون متعدد التخصصات والتمارين العملية يرجح أن يكون قد عزز جاهزية المشاركين لطوارئ المستقبل، ويعتقد أن استمرار مشاركة خريجي البرنامج في جولات لاحقة من المقرر قد رسخ نموذج تدريب مستدامًا ومتسعًا يتكاثر أثره مع كل جولة، ويمكن للمؤسسات الصحية والتعليمية العربية الاستفادة من هذا النموذج في بناء برامج مشابهة تعد مدربين محليين في طب الكوارث، مع التنبه إلى أن عدد المشاركين في جولة التقويم كان محدودًا، وأن التطوير المستمر عبر إشراك أصحاب مصلحة أوسع ودمج تقنيات تدريب متقدمة قد يعزز التأهب للكوارث على المدى الطويل ويوسع قاعدة الأدلة حول فاعلية البرنامج، وينبغي عند نقل هذه التجربة إلى سياقات وطنية أخرى مراعاة فروق الأنظمة الصحية والبنى التنظيمية لإدارة الكوارث فيها، فالبرنامج صمم أصلًا لسياق سويدي له خصائصه المؤسسية وموارده وترتيباته التنظيمية الخاصة
وخلاصة القول إن برنامج براد ميد للتأهب وطب الكوارث أظهر إمكانات واعدة في رفع معرفة المهنيين الصحيين ومهاراتهم القيادية والتعاونية وإعدادهم مدربين مستقبليين في هذا المجال، بما يقدم نموذجًا قابلًا للاستفادة في تطوير التأهب للكوارث على المدى الطويل








