يحتل التعلم بمساعدة الأقران مكانة متنامية في التعليم الطبي، إذ يتيح للطلبة أن يتعلم بعضهم من بعض في بيئة أقل رسمية وأكثر قربًا من احتياجاتهم، غير أن أثر هذا النمط التعليمي في العلوم الطبية الأساسية ما يزال غير مدروس بما يكفي، ولا سيما حين ينظر إليه من زوايا جميع الأطراف المعنية به من طلبة ومساعدين تدريسيين من طلبة البكالوريوس وأعضاء هيئة التدريس، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تناولت برنامجًا للتعلم بمساعدة الأقران في مقرر علم الأنسجة وعلم الأجنة ضمن مسار طبي في كلية الطب بجامعة بورتو، بوصفها تجربة تستحق الوقوف عندها من الباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا المهتمين بتطوير التعليم الطبي، وتزداد أهمية هذا النمط في مقررات كثيفة المحتوى كعلم الأنسجة الذي يتطلب تمييزًا بصريًا دقيقًا لشرائح وبنى مجهرية متشابهة، إذ يستطيع المساعد القريب من مستوى الطلبة تبسيط ما يستعصي عليهم بلغة قريبة منهم وفي توقيت متزامن مع تعلمهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم الأثر التعليمي لبرنامج التعلم بمساعدة الأقران في مقرر علم الأنسجة وعلم الأجنة، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا متقاربًا بالمنهج المختلط، فوجهت استبانات إلكترونية مصممة خصيصًا لكل فئة من فئات المشاركين شملت الطلبة الملتحقين بالفصول النظرية العملية التي يحضرها المساعدون التدريسيون، والمساعدين التدريسيين أنفسهم، والأساتذة، وتضمنت الاستبانات بنودًا من نوع ليكرت وأسئلة مفتوحة، وقيس الاتساق الداخلي بمعامل ألفا كرونباخ، وقورنت درجات الطلبة في الاختبار النظري العملي بين الفصول التي حضرها مساعدون تدريسيون وتلك التي لم يحضرها مساعدون باستخدام اختبار مان ويتني، وحسب حجم الأثر لتقدير مقدار الفروق الملاحظة بين المجموعتين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبدى الطلبة وعددهم 190 طالبًا تصورات إيجابية للغاية تجاه البرنامج، ولا سيما في ما يتصل بإيجاد بيئة تعلم أكثر قربًا وقابلية للتواصل، وتوضيح الشكوك والاستفسارات، والتعرف على البنى النسيجية، وأوصوا بشدة بتعميم المساعدين التدريسيين على مقررات أخرى في كلية الطب
2، وصف المساعدون التدريسيون وعددهم 17 مساعدًا مكاسب متعددة حققها لهم البرنامج شملت تعميق الفهم التخصصي، وتوسيع النظرة إلى المنهج الطبي، وتنمية مهارات التواصل والإلقاء أمام الجمهور، والعمل الجماعي، والقيادة، والثقة بالنفس، وتنامي الاهتمام بالمسارات الأكاديمية
3، قدر الأساتذة وعددهم 6 أساتذة قيمة التعلم بمساعدة الأقران في تحسين الدعم الفردي المقدم للطلبة، وتيسير إدارة الوقت، والإسهام في تكوين المساعدين التدريسيين، مع تأكيدهم في الوقت نفسه الحاجة إلى إعداد تربوي منظم لهؤلاء المساعدين
4، حقق الطلبة الذين حضروا فصولًا بوجود مساعدين تدريسيين درجات أعلى في الاختبار النظري العملي بدلالة إحصائية إذ بلغت القيمة الاحتمالية 0.04، غير أن حجم الأثر كان صغيرًا إذ بلغ 0.12، وهو ما يستدعي قراءة هذه النتيجة بحذر وعدم المبالغة في حجمها العملي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن إدماج مبادرات التعلم بمساعدة الأقران في التعليم الطبي قبل السريري يمكن أن يحسن بيئة التعلم ويدعم ترسيخ المعرفة وينمي المهارات التربوية والشخصية لدى المساعدين أنفسهم، ويمكن لمخططي المناهج في الجامعات العربية الاستفادة من هذه التجربة بإطلاق برامج مشابهة في مقررات العلوم الأساسية، على أن يقترن ذلك بإعداد تربوي منظم للمساعدين ومتابعة مستمرة من الأساتذة، فالفائدة هنا لا تقتصر على الطلبة المتلقين بل تمتد إلى الطلبة المساعدين الذين يكتسبون خبرة تدريسية مبكرة، وينبغي لطلبة الدراسات العليا الانتباه إلى أن الأثر في الأداء الأكاديمي ظهر بدلالة إحصائية لكن بحجم أثر صغير، ما يجعل الحكم النهائي على الفاعلية العملية رهنًا بدراسات أوسع وأطول متابعة، كما تفيد هذه النتائج القائمين على تطوير أعضاء هيئة التدريس بأن توظيف طلبة متفوقين مساعدين يحتاج إلى أطر تنظيمية واضحة تحدد أدوارهم وحدود مسؤولياتهم وسبل تقويم أدائهم، حتى لا يتحول البرنامج إلى جهد تطوعي غير منضبط تتفاوت جودته بتفاوت المساعدين
وخلاصة القول إن التعلم بمساعدة الأقران في علم الأنسجة وعلم الأجنة حظي بتقدير مرتفع من جميع الأطراف المشاركة في البرنامج، وارتبط بتحسن في الأداء الأكاديمي للطلبة، ما يعزز قيمة إدماج مثل هذه المبادرات في التعليم الطبي قبل السريري مع ضمان الإعداد والمتابعة المستمرين للمشرفين من الأقران








