يتطلب التعليم القائم على الكفاءات بنى تحتية للتقويم تجعل أدلة التقويم مرئية ومترابطة مع المنهاج وقابلة للاستخدام في المداولات المهنية بين المعلمين، غير أن الأدوات الرقمية القائمة في فلمنكا غالبًا ما تبقى مجزأة عبر عمليات إدخال التقويم والتغذية الراجعة وإعداد التقارير واتخاذ القرارات عالية الأهمية، بحيث يصعب تتبع مسار الطالب التعليمي بصورة متكاملة ومتسقة مع المنهاج المعتمد
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات تصميمية تستكشف كيفية بناء منصات تقويم رقمية تتجاوز التجزئة وتدعم الشفافية والتماسك المنهاجي مع إبقاء المعلم في قلب عملية الحكم المهني، وهو موضوع يهم مطوري التقنيات التعليمية وقادة المدارس والباحثين في التقويم التربوي، بما فيهم الباحثون العرب الساعون إلى تطوير أنظمة تقويم رقمية في مدارسهم وجامعاتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى عرض منصة نافيسكور بوصفها دراسة حالة قائمة على التصميم لبنية تحتية رقمية للتقويم متوافقة مع المنهاج طورت في التعليم الثانوي الفلمنكي، وفحص كيفية إسهام التصميم المشترك التكراري مع المعلمين في بلورة مبادئ تصميمية للتقويم الشفاف المتوسط بالمعلم، دون تقويم أثر المنصة في نواتج التعلم أو العدالة أو عبء العمل أو موثوقية التقويم، وقد طورت المنصة على مدى أربع سنوات عبر دورات تكرارية من التصميم المشترك والنمذجة الأولية والتنفيذ والتحقق التقني بمشاركة المعلمين وقادة المدارس والإداريين وموظفي تقنية المعلومات، وركز التحليل على مخرجات التصميم وملاحظات أصحاب المصلحة وخصائص المنصة وخبرة التنفيذ
ثانيًا: أبرز النتائج
حددت دراسة الحالة خمسة مبادئ تصميمية توجه بناء بنى تقويم رقمية متوافقة مع المنهاج في التعليم القائم على الكفاءات، ويمكن إجمال أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، يقضي المبدأ الأول بتضمين التقويم في المنهاج ذاته بحيث ترتبط أدلة التقويم مباشرة بالكفاءات والمحتوى المنهاجي، ويقضي الثاني بتنظيم تغذية راجعة متعددة الوسائط بصورة بنيوية تخدم تعلم الطالب ومداولات المعلمين
2، يقضي المبدأ الثالث بتوزيع الفاعلية المهنية بين الأطراف المعنية بدل حصرها في الإدارة أو النظام، ويقضي الرابع بجعل القابلية للتفسير جزءًا من التصميم ذاته بحيث تكون الأحكام والبيانات مفهومة وقابلة للتتبع
3، يقضي المبدأ الخامس ببنية بيانات يبقى الإنسان في حلقتها، بحيث تدعم البيانات الحكم المهني للمعلم ولا تستبدله، وقد أظهر التنفيذ عبر أربع مدارس وأكثر من مليوني سجل تقويم تبنيًا عمليًا ونطاقًا بنيويًا واسعًا، دون أن تستخدم هذه البيانات لادعاءات سببية أو سيكومترية أو متصلة بالعدالة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في تقديم نموذج تصميمي مستنير نظريًا للبنى التحتية للتقويم المتوافقة مع المنهاج في التعليم القائم على الكفاءات، إذ تبين كيف تصمم الأنظمة الرقمية لدعم قابلية التتبع والتماسك المنهاجي والمداولة التي يقودها المعلمون، ويمكن لوزارات التعليم ومطوري المنصات وقادة المدارس الاستفادة من المبادئ الخمسة في تطوير أنظمتهم الخاصة، على أن الدراسة تحدد الحاجة إلى بحوث تجريبية مستقبلية حول الموثوقية والعدالة وقابلية الاستخدام وعبء العمل والأثر التعليمي لهذه البنى، وهو أفق بحثي مفتوح أمام الباحثين العرب الراغبين في اختبار هذه المبادئ في سياقاتهم التعليمية
ويندرج هذا العمل ضمن توجه بحثي متنام يعرف ببحوث التصميم في التعليم، يقوم على تطوير الحلول التربوية عبر دورات متكررة من التصميم والتجريب والتحليل داخل البيئات الحقيقية ذاتها، بحيث تولد المعرفة النظرية من رحم الممارسة وتعود إليها محسنة، وتكتسب دراسات الحالة من هذا النوع قيمة خاصة في مجال البنى التحتية الرقمية للتقويم، إذ تتداخل فيها العوامل التقنية والمنهاجية والمهنية والمؤسسية بصورة يصعب اختزالها في تجارب مضبوطة، ويحتاج مطورو المنصات التعليمية في الدول العربية إلى مثل هذه الخبرات الموثقة حين يشرعون في بناء أنظمة تقويم قائمة على الكفاءات تناسب مناهجهم وسياقاتهم المدرسية الخاصة
وخلاصة القول إن تجربة نافيسكور تقدم نموذجًا تصميميًا لبنى تقويم رقمية متسقة مع المنهاج تقوم على التقويم المضمّن والتغذية الراجعة المنظمة والفاعلية الموزعة والقابلية للتفسير وبقاء الإنسان في الحلقة، بما يدعم الشفافية والمداولة المهنية بقيادة المعلمين في التعليم القائم على الكفاءات








