ينتشر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين طلاب الجامعات انتشارًا متسارعًا يعيد تشكيل عمليات التعليم والتعلم في التعليم العالي، إذ يلجأ الطلاب إلى هذه الأدوات في البحث والكتابة وحل الواجبات وتنظيم الدراسة بدوافع متعددة، وفي المقابل تتصاعد المخاوف بشأن آثار هذا الاستخدام في التحصيل والذاكرة والتسويف والنزاهة الأكاديمية، وهو ما يجعل فهم دوافع الاستخدام ونتائجه ومخاوفه مدخلًا ضروريًا لأي سياسات جامعية رشيدة في التعامل مع هذه التقنيات
وتزداد الحاجة إلى هذا الفهم في بلدان نامية ما تزال أطرها التنظيمية والأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم في طور التشكل، إذ يقدم البحث التجريبي الميداني صورة واقعية عن العوامل التي تتنبأ بأنماط الاستخدام لدى الطلاب، بما يفيد صناع القرار الجامعي والباحثين في تقنيات التعليم وطلاب الدراسات العليا في المنطقة العربية التي تواجه أسئلة مشابهة حول حوكمة هذه الأدوات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل دوافع استخدام الذكاء الاصطناعي لدى طلاب الجامعات ونتائجه ومخاوفهم بشأنه، وتحديد أثره في عمليات التعليم والتعلم المتوسطة في التعليم العالي، وقد أجري تحليل كمي للمتغيرات عبر بناء علاقات بأسلوب أشجار القرار المعروف بتشايد القائم على الكشف التلقائي عن التفاعلات باختبار مربع كاي بين الدوافع والنتائج والمخاوف المدركة في الديناميات التعليمية للطلاب، وشمل التحليل متغيرات خارجية هي عبء العمل الأكاديمي وضغط الوقت والحساسية للمكافآت والحساسية للجودة، ومتغيرات داخلية هي استخدام تشات جي بي تي والتسويف وفقدان الذاكرة والأداء الأكاديمي، ومجموعة عوامل اجتماعية ديموغرافية، وطبقت الدراسة بعينة قصدية قوامها 268 طالبًا من جامعات في السلفادور
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت أشجار القرار التسع المتولدة عن التحليل أنماطًا متباينة في ظاهرها متسقة في جوهرها حول العوامل المتنبئة بسلوك الطلاب، ويمكن إجمال أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، برز الدور الدراسي للطالب وعبء العمل الأكاديمي المدرك بوصفهما أقوى المتنبئات الأولية وأكثرها صلابة في النماذج، إذ تشعبت منهما المسارات التفسيرية لأنماط استخدام الذكاء الاصطناعي
2، ظهرت صعوبات الاحتفاظ بالمعلومات والاستخدام المكثف لتشات جي بي تي آليات تعويضية يلجأ إليها الطلاب في مسارات محددة، بما يشير إلى أن الاستخدام المكثف قد يرتبط بتراجع القدرة على الاستذكار والاحتفاظ بقدر ما يرتبط بعوامل أخرى
3، فتحت النتائج مجالًا إشكاليًا بشأن تنوع العمليات الاجتماعية التربوية والتكيفات المؤثرة في التعليم العالي، مؤكدة اتجاهات وثقتها دراسات دولية وإقليمية سابقة حول تحولات سلوك الطلاب مع هذه الأدوات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط النتائج الضوء على حاجة ملحة إلى تعزيز الكفاءات الرقمية لدى طلاب الجامعات وأعضاء هيئة التدريس، ووضع إرشادات أخلاقية واضحة تحكم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام الأكاديمية، وتشجيع استخدام تربوي موجه لهذه التقنيات يخدم أهداف التعلم بدل أن يحل محل عملياته العقلية، وبخاصة في التعليم العالي بالسلفادور، ويمكن للجامعات العربية أن تستفيد من هذه الدروس في صياغة سياساتها الخاصة، إذ تتشابه سياقاتها في سرعة تبني الطلاب لهذه الأدوات وتأخر الأطر المنظمة لها، كما تدعو النتائج إلى إعادة النظر في أعباء العمل الأكاديمي وتصميم المهام بما يقلل الدوافع التعويضية للاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي
ويعكس اهتمام هذه الدراسة بأنماط استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي تحولًا أوسع في بحوث تقنيات التعليم من التركيز على إمكانات الأدوات ذاتها إلى دراسة سلوك المستخدمين وسياقاتهم النفسية والاجتماعية، إذ تتحدد آثار أي تقنية تعليمية في نهاية المطاف بكيفية توظيفها فعليًا وبأهداف مستخدميها وقيودهم الزمنية والمعرفية، ومن هنا تبرز قيمة المناهج التحليلية القادرة على كشف التفاعلات المتشابكة بين المتغيرات كأشجار القرار، بما يقدم صورة أقرب إلى الواقع التربوي المعقد من النماذج الخطية البسيطة
وخلاصة القول إن استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي يتشكل بتفاعل دوافع ونتائج ومخاوف يقف في مقدمة متنبئاتها الدور الدراسي وعبء العمل المدرك، وتلعب صعوبات الاحتفاظ بالمعلومات والاستخدام المكثف لتشات جي بي تي دور آليات تعويضية، مما يستوجب كفاءات رقمية معززة وإرشادات أخلاقية واضحة واستخدامًا تربويًا موجهًا لهذه التقنيات








