تتسم السيكوباتية بسمات جوهرية منها القسوة والتلاعب والسلوك المضاد للمجتمع، وقد ارتبطت في الأدبيات العلمية باختلالات في المعالجة الانفعالية أي الكيفية التي يدرك بها الفرد انفعالاته ويعبر عنها وينظمها، وتشير بحوث سابقة إلى أن السمات السيكوباتية قد تتجلى بصور مختلفة لدى الرجال والنساء، غير أن الدراسات التي قارنت بين المسجونين والمسجونات في السيكوباتية والمعالجة الانفعالية معًا ما تزال قليلة، مما يترك فجوة في فهم العلاقة بين هذين البعدين داخل البيئات الإصلاحية
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة للعاملين في علم النفس الجنائي والإصلاحي، إذ قد يسهم فهم الصعوبات الانفعالية المرتبطة بالسمات السيكوباتية في تطوير تدخلات تأهيلية أكثر ملاءمة لاحتياجات النزلاء، كما تثري الدراسة النقاش العلمي حول ما إذا كانت العلاقة بين السيكوباتية والخلل الانفعالي تختلف باختلاف النوع، بما يفيد الباحثين وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الإكلينيكي والجنائي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباط بين السمات السيكوباتية والمعالجة الانفعالية لدى الرجال والنساء المسجونين مع تركيز خاص على الفروق المحتملة بين الجنسين، وقد تكونت العينة من 144 رجلًا و113 امرأة في السجون البرتغالية، وجمعت البيانات باستخدام مقياس السيكوباتية بالتقرير الذاتي في صيغته المختصرة ومقياس المعالجة الانفعالية المكون من خمسة وعشرين بندًا، وحللت البيانات بأساليب ارتباطية وانحدارية لاختبار الفروق بين الجنسين وعلاقات الارتباط ودور النوع مشرفًا على العلاقة بين المتغيرين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج فروقًا نوعية محددة بين الجنسين في بعض الأبعاد، وارتباطات متسقة بين السمات السيكوباتية وصعوبات المعالجة الانفعالية، ويمكن إجمال أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، سجل الرجال مستويات أعلى من السمات السيكوباتية مقارنة بالنساء، ولا سيما في بعدي نمط الحياة والسلوك المضاد للمجتمع
2، أبلغت النساء عن صعوبات أكبر في جوانب محددة من المعالجة الانفعالية شملت الانفعالات غير المعالجة والتجنب والإفقار الانفعالي في التعبير، وإن لم تظهر فروق بين الجنسين في الدرجة الكلية للمعالجة الانفعالية
3، ارتبطت السمات السيكوباتية ارتباطًا إيجابيًا بصعوبات المعالجة الانفعالية، وكانت أقوى الارتباطات في الوجهين الوجداني وبين الأشخاص من أوجه السيكوباتية، بينما برزت القابلية للتحكم في الانفعال بوصفها البعد الأكثر اتساقًا في ارتباطه بالسيكوباتية عبر التحليلات
4، لم تقدم تحليلات الانحدار أي دليل على أن النوع يشرف على العلاقة بين السمات السيكوباتية والمعالجة الانفعالية، بما يعني أن هذه العلاقة تعمل بصورة متماثلة لدى الرجال والنساء في هذه العينة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج مؤشرات أولية على أن السمات السيكوباتية قد ترتبط بصعوبات في المعالجة الانفعالية لدى الأفراد المسجونين، وتدعم منظورًا بعديًا قائمًا على الأوجه في فهم الخلل الانفعالي المصاحب للسيكوباتية بدل التعامل معها كتلة واحدة، إذ تختلف قوة الارتباط باختلاف وجه السيكوباتية وبعد المعالجة الانفعالية، ويمكن أن تستفيد البرامج التأهيلية في السجون من استهداف مهارات الوعي الانفعالي والتعبير عنه والتحكم فيه لدى النزلاء ذوي السمات المرتفعة، على أن تفسر هذه الاستنتاجات بالحذر المناسب نظرًا لطبيعة العينة وأدوات التقرير الذاتي، وهو ما يشجع الباحثين العرب على دراسة هذه العلاقات في بيئات إصلاحية عربية ما تزال بحوثها محدودة
وتندرج هذه الدراسة ضمن اهتمام متنام في علم النفس الجنائي بفهم الأسس الانفعالية للسلوك المضاد للمجتمع وإمكانات تعديلها، إذ تشكل الانفعالات مدخلًا أساسيًا لفهم التعاطف والندم والتحكم في الدوافع وهي عمليات جوهرية في أي برنامج لإعادة التأهيل والدمج المجتمعي، كما أن دراسة الفروق بين الجنسين داخل المنظومات الإصلاحية تسهم في تصميم تدخلات تراعي الاحتياجات المختلفة للنزلاء والنزيلات، بدل الاكتفاء بنماذج موحدة قد لا تلائم تنوع هذه الفئة من حيث الخلفيات والتجارب والاحتياجات النفسية والاجتماعية
وخلاصة القول إن السمات السيكوباتية لدى المسجونين والمسجونات ترتبط بصعوبات المعالجة الانفعالية ارتباطًا يتركز في الوجهين الوجداني وبين الأشخاص وفي بعد التحكم الانفعالي، دون أن يغير النوع من طبيعة هذه العلاقة، بما يدعم فهمًا بعديًا دقيقًا للخلل الانفعالي في السيكوباتية ويمهد لتدخلات تأهيلية أكثر استهدافًا








