تُستخدم بيانات سجلات المرضى على نطاق واسع لمقارنة فاعلية التدخلات الطبية، غير أن ثقة القراء بهذه الأدلة تهتز إذا كانت نتائجها تُفقد انتقائيًا تبعًا لبلوغها الدلالة الإحصائية من عدمه، فتُنشر النتائج الدالة وتُحجب غير الدالة أو تُعاد صياغة التحليلات حتى تعبر العتبة، وجاءت هذه الدراسة ما وراء البحثية لتقويم ما إذا كانت توجد مؤشرات على فقد انتقائي لنتائج الدراسات المقارنة القائمة على السجلات عبر تخصصات طبية متعددة
وتقوم فكرة الفقد الانتقائي على ملاحظة إحصائية بسيطة وعميقة في آن واحد، فلو كانت النتائج تُنشر بغض النظر عن دلالتها لتوزعت قيم الدلالة حول عتبة الفصل توزعًا منتظمًا لا كسر فيه، أما حين يتعلم الباحثون أن ما دون العتبة يُقبل وما فوقها يُرفض أو يُهمل، فإن التحليلات تُعاد وتُعدل وتُنتقى حتى تتكاثف القيم عند الحد الفاصل مباشرة، وهو تكدس ترصده أدوات ما وراء البحث الحديثة بوصفه بصمة سلوكية جماعية لا خطأ عشوائيًا في دراسة بعينها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص توزيع قيم الدلالة الإحصائية في عينة من دراسات الأتراب التي استخدمت بيانات سجل مرضى وقارنت ذراعين لتقويم تدخل طبي وأبلغت عن أثر في نتيجة ثنائية، فبحث الباحثون في قاعدة ببمد للتعرف على السجلات في سبعة تخصصات طبية مختلفة خلال عامي 2022 و2023، وأدرجوا كل دراسة مستوفية لمعايير الأهلية لكل سجل جرى التعرف عليه وجمعوا قيم الدلالة منها، ورسموا التوزيع التراكمي لقيم الدلالة ورسمًا بيانيًا لقيم زد المطلقة للفحص البصري، وطبقوا اختبار الفرجار للكشف عن تحيز النشر
ويمتاز تصميم الدراسة بجمعه بين الفحص البصري للتوزيعات واختبار إحصائي مصمم خصيصًا لهذا الغرض هو اختبار الفرجار، الذي يقارن كثافة قيم الدلالة في نافذة ضيقة أدنى العتبة بكثافتها في نافذة مماثلة فوقها، فإذا اختلفت الكثافتان اختلافًا دالًا قام الدليل على انقطاع مصطنع في التوزيع يصعب تفسيره باختلاف موضوعات الدراسات أو أحجام عيناتها، وبذلك تتحول الشكوك العامة حول تحيز النشر إلى مؤشرات قابلة للقياس والمقارنة عبر السجلات والتخصصات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شملت العينة النهائية 150 دراسة أتراب قائمة على السجلات استوفت معايير الأهلية عبر السجلات والتخصصات السبعة المشمولة بالبحث، وأتيح من كل منها قيمة دلالة إحصائية واحدة على الأقل قابلة للتحليل
2، أظهر التوزيع التراكمي لقيم الدلالة زيادة حادة وثقيلة أدنى عتبة الدلالة 0.05 مباشرة، بينما أظهر التوزيع فوق العتبة زيادة بطيئة وتدريجية، وهو نمط يوحي بتكدس النتائج عند الحد الفاصل للدلالة الإحصائية
3، بلغت قيمة دلالة اختبار الفرجار بفرجار نسبته 10 في المئة نحو 0.011، بما يدعم وجود انقطاع غير طبيعي في التوزيع حول العتبة يصعب تفسيره بالصدفة أو باختلاف أحجام الدراسات وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتستدعي هذه المؤشرات حذرًا شديدًا في تفسير نتائج الدراسات القائمة على السجلات المقارنة للتدخلات الطبية، فقد تكون النتائج الإيجابية ثمرة التلاعب بقيم الدلالة أو تحيز النشر أو الإبلاغ الانتقائي، وتؤكد الدراسة ضرورة التسجيل الاستباقي لهذه الدراسات وجعله إلزاميًا في السياقات التنظيمية وللنشر في المجلات، وتدعو إلى مزيد من البحث لتحديد الأسباب الرئيسة للفقد الانتقائي بما يدعم تطوير أساليب أكثر تحديدًا للوقاية منه وتطبيقها، وهي رسائل تهم القائمين على السجلات الصحية والبحث السريري في المنطقة العربية أيضًا
وللباحثين العرب العاملين على السجلات الصحية الناشئة في المنطقة درس وقائي مبكر، فبناء ثقافة التسجيل الاستباقي وخطط التحليل المسبقة منذ تأسيس هذه السجلات أيسر بكثير من معالجة انحرافات تراكمت عبر سنوات من النشر غير المنضبط
وتتقاطع هذه النتائج مع أدبيات ما وراء البحث الأوسع التي توثق ظواهر مشابهة في التجارب السريرية والدراسات الرصدية، بما يرجح أن المشكلة بنيوية في حوافز النشر الراهنة لا خاصة بسجلات طبية بعينها
وخلاصة القول إن أدلة السجلات الطبية، على أهميتها، تحمل بصمات فقد انتقائي للنتائج يرتبط بعتبة الدلالة الإحصائية، ولا سبيل إلى استعادة الثقة بها إلا بالتسجيل المسبق الإلزامي والشفافية الكاملة في الإبلاغ عن كل التحليلات والنتائج أيًا كانت دلالتها








