يحظى التدريب القائم على المحاكاة باعتراف متزايد في التعليم الطبي لما يوفره من بيئة آمنة لصقل المهارات السريرية وبناء الثقة قبل الاحتكاك الحقيقي بالمرضى، ولا سيما في التخصصات الدقيقة كالتخدير حيث تتلازم المهارة الفنية مع سلامة المريض
وفي هذا الإطار قومت الدراسة أثر التدريب القائم على المحاكاة في رضا طلاب السنة النهائية بكلية الطب في جامعة جازان بالمملكة العربية السعودية وثقتهم بأنفسهم، بعد مشاركتهم في جلسات محاكاة مركزة على التخدير، وهي دراسة ذات صلة مباشرة بالسياق العربي والسعودي تهم أعضاء هيئة التدريس والباحثين في التعليم الطبي وطلاب الدراسات العليا المهتمين بتطوير المناهج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا شمل 117 طالبًا وطالبة من طلاب السنة النهائية، وجمعت البيانات بعد حضورهم جلسات التدريب القائم على المحاكاة باستبانة تقيس بعدين رئيسين هما الرضا عن التجربة التدريبية والثقة بالنفس في التعلم، وحللت البيانات بأساليب إحصائية وصفية واستدلالية لفحص الفروق بحسب الجنس والعمر والعلاقة بين تقييمات تجربة التعلم وكل من الرضا والثقة بالنفس، وتمثل الاستبانة أداة شائعة في بحوث التعليم الطبي لقياس الخبرة التعليمية من منظور المتعلمين أنفسهم، إذ يقترن رضا الطلاب وثقتهم عادة بجودة تصميم الجلسات ووضوح أهدافها وكفاءة المدربين المشرفين عليها وتفاعليتها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط درجات الرضا 3.64 بانحراف معياري قدره 0.79، وبلغ متوسط الثقة بالنفس 3.70 بانحراف معياري قدره 0.90، وهي مستويات تعكس تقييمًا إيجابيًا عامًا للتجربة التدريبية من الطلاب
2، لم تظهر فروق دالة في الرضا أو الثقة بالنفس بحسب الجنس أو العمر، بما يشير إلى أن أثر التدريب بالمحاكاة كان متقاربًا عبر فئات الطلاب المختلفة
3، ارتبطت تقييمات تجربة التعلم ارتباطًا قويًا بكل من الرضا والثقة بالنفس عند مستوى دلالة أدنى من 0.001، فكلما ارتفع تقييم الطلاب لتجربة التعلم ارتفع رضاهم وثقتهم بأنفسهم
4، تحقق أعلى رضا في بند أسلوب تدريس المدرب، بينما كان أدنى رضا في بند التحفيز الذي توفره المواد التعليمية، وتحققت أعلى درجات الثقة بالنفس في ما يتصل بإرشاد المدرب وتوجيهه، بينما كانت أدناها في تطبيق التدريب بالمحاكاة على تعلم المهارات الحرجة
5، وجد ارتباط موجب قوي بين الرضا والثقة بالنفس بلغ معامله 0.847 عند مستوى دلالة أدنى من 0.001، بما يعزز فكرة ترابط التجربة الوجدانية للتعلم مع الشعور بالكفاءة الذاتية
6، تعزز هذه النتائج مجملها صورة التدريب بالمحاكاة تجربة تعليمية مقبولة ومحفزة لدى طلاب السنة النهائية، إذ اجتمع لديهم رضا عام عن التجربة وثقة متنامية بقدرتهم على أداء مهارات التخدير الأساسية في بيئة آمنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن التدريب القائم على المحاكاة يعزز رضا الطلاب وثقتهم بأنفسهم على نحو ملموس، وتبرز أهمية الأساليب المتمحورة حول المتعلم والتعلم التفاعلي في التعليم الطبي، مع إشارات تطويرية واضحة أبرزها تحسين المواد التعليمية المحفزة وربط المحاكاة بصورة أوثق بتعلم المهارات الحرجة، وهي دروس عملية تفيد كليات الطب العربية عند تصميم برامج المحاكاة وتقويمها، وتفيد الباحثين في التعليم الطبي بضرورة قياس الرضا والثقة معًا بوصفهما مؤشرين متكاملين لجودة التجربة التدريبية
وتتصل هذه النتائج بسياق أوسع يشهد توسع كليات الطب السعودية والعربية في اعتماد المحاكاة ضمن مناهجها، مدفوعة بمتطلبات الاعتماد الأكاديمي وسلامة المرضى وندرة فرص التدريب السريري المباشر في بعض التخصصات الدقيقة، ويظل التحدي الأبرز هو الانتقال من قياس رضا الطلاب وثقتهم إلى قياس أثر المحاكاة في الأداء السريري الفعلي ونواتج المرضى، وهو ما يستدعي دراسات طولية تربط التدريب بالمحاكاة بالممارسة اللاحقة وتقارن بين صيغ مختلفة من الجلسات من حيث الكلفة والفاعلية
وخلاصة القول إن جلسات المحاكاة في التخدير بجامعة جازان حققت مستويات طيبة من رضا طلاب السنة النهائية وثقتهم بأنفسهم، وتصدر أسلوب المدرب وإرشاده عوامل الرضا والثقة، بينما ظلت المواد التعليمية المحفزة وتطبيق المحاكاة على المهارات الحرجة موضعين يحتاجان إلى مزيد من التطوير








