أتاح النمو المتسارع في توفر البيانات الطبية وتطور قدرات الحواسيب فرصًا جديدة لتحليل البيانات في البحث العلمي، ومن أبرز هذه المقاربات الحديثة التعلم الآلي بوصفه صورة متقدمة من الإحصاء تعتمد على خوارزميات معقدة قادرة على اكتشاف الأنماط داخل مجموعات البيانات المعقدة
وتكتسب هذه القدرات قيمة خاصة في الظواهر متعددة العوامل كما في الصحة النفسية والطب النفسي الشرعي، إذ يتيح التعلم الآلي تحديد الارتباطات والتنبؤ بأحداث بعينها وتقويم جودة النموذج الإحصائي الناتج، ومن هذا المنطلق سعت الدراسة إلى فحص المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية للكشف عن الفروق بين مرضى ارتكبوا أفعالًا مخالفة للقانون وآخرين لم يرتكبوها، وجميعهم مشخصون باضطرابات طيف الفصام
ويثير توظيف التعلم الآلي في هذا المجال أسئلة دقيقة حول طبيعة المتغيرات المدخلة، فحين تكون المتغيرات اجتماعية ديموغرافية كالمنشأ والإقامة والتعليم فإن أي قدرة تمييزية تكتشفها الخوارزمية قد تعكس تحيزات اجتماعية قائمة أكثر مما تعكس خصائص فردية ثابتة، ولذلك فإن قياس حدود هذه القدرة بموضوعية يمثل في ذاته نتيجة علمية ذات وزن في النقاش حول أخلاقيات التنبؤ في الطب النفسي الشرعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنيت الدراسة نموذجًا تمييزيًا بأسلوب التعلم الآلي على عينة ضمت 370 مريضًا من المرتكبين و370 مريضًا من غير المرتكبين، واختبرت في التحليل 48 متغيرًا اجتماعيًا ديموغرافيًا، وقارنت بين سبع خوارزميات للتعلم الآلي لاختيار الأنسب لطبيعة البيانات، وانتهت المقارنة إلى اعتماد خوارزمية تعزيز التدرج بوصفها الأصلح لبناء النموذج التمييزي النهائي وتقويم قدرته على الفصل بين المجموعتين اعتمادًا على الخصائص الاجتماعية الديموغرافية وحدها، ويتيح بناء النموذج بهذه الطريقة المقارنة المنصفة بين الخوارزميات على البيانات نفسها، واختيار المتغيرات التي تحتفظ بقيمتها التمييزية حين تجمع معًا بدل الاكتفاء بفحص كل متغير منفردًا، كما أن تقويم الأداء بالمساحة تحت المنحنى يمنح تقديرًا كميًا واضحًا لجودة الفصل بين المجموعتين عبر جميع عتبات التصنيف الممكنة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برزت خوارزمية تعزيز التدرج من بين الخوارزميات السبع المختبرة بوصفها الأنسب لمجموعة البيانات، فاعتمدت أساسًا للنموذج التمييزي النهائي الذي بني وقومت جودته
2، اقتصر النموذج التمييزي النهائي على ثلاثة متغيرات فقط هي بلد المولد وحالة الإقامة والمستوى التعليمي، في إشارة إلى أن بقية المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية المختبرة لم تضف قدرة تمييزية تذكر
3، بلغت المساحة تحت المنحنى للنموذج 0.65، وهو ما يعني أن التمييز الإحصائي بين المرضى المرتكبين وغير المرتكبين اعتمادًا على المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية وحدها يظل ضعيفًا إلى حد بعيد
4، أظهرت النتيجة العامة أن الفروق الاجتماعية الديموغرافية بين المجموعتين محدودة التداخل إلى درجة يصعب معها بناء تصنيف يعتمد عليها، وهو ما ينسجم مع كون العينتين من المرضى أنفسهم باضطرابات طيف الفصام ويتقاسمان خصائص كثيرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتيجة دلالة منهجية وأخلاقية مهمة، فهي تنبه الباحثين والممارسين في الطب النفسي الشرعي إلى خطورة الاعتماد على الصور النمطية الاجتماعية في تقدير خطورة المرضى أو التنبؤ بسلوكهم، وتؤكد أن الارتكاب ظاهرة متعددة العوامل لا تختصر في الخصائص الديموغرافية، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة النفسية وعلوم البيانات بأن تقويم جودة النموذج بصدق، حتى حين تكون النتيجة ضعيفة، جزء أصيل من أمانة البحث العلمي يمنع تضخيم قدرات النماذج التنبؤية ويوجه الانتباه إلى عوامل سريرية وسياقية أعمق
وتفتح الدراسة بابًا لمسارات بحثية لاحقة تدمج المتغيرات السريرية والعلاجية والسياقية مع المتغيرات الاجتماعية في نماذج أشمل، مع ضرورة التحقق الخارجي من أي نموذج مقترح على عينات مستقلة قبل التفكير في أي استخدام تطبيقي، إذ إن كلفة الخطأ في سياقات الطب الشرعي تمس حرية الأفراد وسلامة المجتمع في آن واحد
وخلاصة القول إن التعلم الآلي أتاح فحصًا منظمًا لثمانية وأربعين متغيرًا اجتماعيًا ديموغرافيًا لدى مرضى طيف الفصام، لكن النموذج الأفضل لم يتجاوز قدرة تمييزية ضعيفة بمساحة تحت المنحنى قدرها 0.65، وهو ما يدعو إلى الحذر في توظيف هذه المتغيرات منفردة في أي تقدير للخطورة أو التنبؤ








