تحتل الكفاءة المهنية موقع القلب من أهداف التعليم الطبي، إذ يتوقف عليها جاهزية الخريج لممارسة آمنة وفعالة في الميدان السريري، ولا تتشكل هذه الكفاءة بمعزل عن خبرة الطالب اليومية داخل قاعات الدرس، فلسلوك أساتذة المقررات المهنية في التدريس أثر يتجاوز نقل المعارف إلى بناء إدراك الطالب لذاته المهنية، غير أن الآليات النفسية التي تنتقل عبرها آثار سلوك التدريس إلى الكفاءة المهنية المدركة ما تزال بحاجة إلى فحص تجريبي يفكك مسارات الوساطة وشروط الاعتدال المؤثرة فيها
وتفيد دراسة هذه الآليات كليات الطب في الوطن العربي التي تسعى إلى رفع كفاءة خريجيها المهنية، إذ تتجاوز التوصيات العملية حدود تحسين أداء الأستاذ إلى العناية بالهوية المهنية للطالب وبجودة البيئة الجامعية التي يحتضنه، فإذا كانت الهوية المهنية قناة تنتقل عبرها آثار التدريس، وكان الرضا عن البيئة الجامعية شرطًا يضخم هذه الآثار أو يخمدها، صار تطوير التعليم الطبي مشروعًا متكاملًا يجمع بين الأستاذ والطالب والبيئة في منظومة واحدة متفاعلة العناصر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص العلاقة بين سلوك تدريس أساتذة المقررات المهنية والكفاءة المهنية المدركة ذاتيًا لدى طلاب الطب، مع تركيز خاص على الدور الوسيط لتقويم الهوية المهنية والدور المعدل للرضا عن البيئة الجامعية، واعتمدت تصميم مسح مقطعي جند 430 طالبًا جامعيًا متفرغًا من جامعة طبية في مقاطعة قويتشو بالصين، وجُمعت البيانات باستبانات تقرير ذاتي قاست أربعة متغيرات جوهرية هي تقويم سلوك التدريس وتقويم الهوية المهنية والرضا عن البيئة الجامعية والكفاءة المهنية المدركة ذاتيًا باستخدام مقاييس ليكرت خماسية، وأُجريت تحليلات الوساطة والاعتدال باستخدام إضافة بروسيس في برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية للتحقق من المسارات المباشرة وغير المباشرة وشروطها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبط تقويم سلوك التدريس ارتباطًا موجبًا دالًا بالكفاءة المهنية المدركة ذاتيًا، بما يعني أن الطلاب الذين يقوّمون سلوك تدريس أساتذتهم تقويمًا أعلى يدركون كفاءتهم المهنية إدراكًا أعلى، فيؤكد ذلك مركزية الخبرة الصفية اليومية في بناء ثقة الطالب بقدراته المهنية المستقبلية
2، توسط تقويم الهوية المهنية هذه العلاقة توسطًا جزئيًا، إذ تنتقل بعض آثار سلوك التدريس الإيجابي إلى الكفاءة المهنية عبر تعزيز شعور الطالب بانتمائه إلى المهنة وتمثله لقيمها وأدوارها، فتغدو الهوية قناة نفسية ناقلة لا مجرد ناتج جانبي للتعليم الطبي، وهو ارتباط يعيد الاعتبار لمهارات الأستاذ التواصلية والتنظيمية داخل القاعة بوصفها محددًا لثقة الطالب المهنية وإحساسه بالانتماء لمجتمع الممارسة الطبية
3، عدّل الرضا عن البيئة الجامعية العلاقة بين تقويم الهوية المهنية والكفاءة المهنية المدركة ذاتيًا تعديلًا دالًا، إذ اشتدت العلاقة الموجبة عند مستويات الرضا الأعلى عن البيئة الجامعية، بما يشير إلى أن البيئة الجامعية المرضية تضخم العائد النفسي للهوية المهنية على إدراك الكفاءة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج رؤى نظرية وتطبيقات عملية لتحسين سلوكيات التدريس وتعزيز تنمية الكفاءة المهنية لدى طلاب الطب، فهي توجه كليات الطب العربية إلى الاستثمار في تطوير أعضاء هيئة التدريس بوصفهم بناة للهوية المهنية لا ناقلين للمعرفة فحسب، وإلى تصميم أنشطة تنمي انتماء الطلاب لمهنتهم منذ السنوات الأولى، كما تنبه الإدارات الجامعية إلى أن تحسين البيئة الجامعية وخدماتها ومرافقها ليس ترفًا إداريًا بل شرط مؤثر في تحويل الهوية المهنية إلى كفاءة مدركة، ويوصى بأن تقترن برامج التطوير المهني للأساتذة بمسوح دورية لرضا الطلاب عن البيئة وتقويمهم لهوياتهم المهنية عبر سنوات الدراسة، ومن التطبيقات المقترحة أيضًا أن تدرج كليات الطب مؤشرات الهوية المهنية ضمن تقويماتها الدورية لجودة التعليم، وأن تربط برامج الإرشاد الأكاديمي بأنشطة تعرّض الطلاب لنماذج مهنية ملهمة منذ عامهم الأول، فبناء الهوية عملية تراكمية بطيئة لا تحققها مقررات منعزلة ولا خبرات صفية متقطعة
وخلاصة القول إن الكفاءة المهنية المدركة لدى طلاب الطب ثمرة تفاعل متكامل بين سلوك تدريس رشيد وهوية مهنية نامية وبيئة جامعية مرضية، وإن أي إصلاح للتعليم الطبي يغفل أحد هذه الأضلاع الثلاثة يخاطر بفاعليته واستدامته








