يقف تعليم الموهوبين عند نقطة تحول حرجة يشكلها التفتت المفاهيمي المستمر وقصور الأنظمة المتمحورة حول تحديد الموهوبين وفرزهم، فبرغم عقود من صقل ممارسات التحديد ما تزال هذه الممارسات غير متسقة وغير منصفة وضعيفة الارتباط بالخبرات التعليمية التي يُفترض أن تدعمها، ويظل الحقل في الوقت ذاته منقسمًا بين نماذج متنافسة أبرزها نموذج الطفل الموهوب ونموذج تنمية الموهبة، بما ينتج غياب التماسك في البحث والسياسات والممارسات الميدانية على حد سواء
وتمس هذه الإشكالية برامج رعاية الموهوبين في البلدان العربية التي تعتمد غالبًا على اختبارات تحديد تنتقي عددًا محدودًا من الطلاب لبرامج منفصلة، بينما يبقى سائر الطلاب ذوي الاستعدادات الكامنة خارج نطاق الخدمة، كما أن حصر الخدمة في نخبة ضيقة يولد وصمًا اجتماعيًا داخل المدرسة ويحرم المنظومة من اكتشاف مواهب كامنة لدى أبناء بيئات أقل حظًا في الموارد الثقافية والتعليمية المنزلية، ومن هنا تأتي أهمية هذا الطرح النظري الذي يدعو إلى نقل مركز ثقل تعليم الموهوبين من سؤال من هو الموهوب إلى سؤال كيف نصمم بيئات صفية غنية بالفرص تسمح للمواهب بالظهور والنمو لدى شريحة أوسع من المتعلمين في المدارس العادية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت هذه الدراسة النظرية إلى إعادة تصور تعليم الموهوبين استنادًا إلى إطار تنمية الموهبة الذي ينظر إلى القدرة بوصفها ديناميكية ناشئة لا سمة ثابتة يولد بها الطالب، واستندت في بنائها إلى أعمال تجريبية ونظرية حديثة تنتقد التحديين المزدوجين المتمثلين في التفتت المفاهيمي ومركزية التحديد، ويقع في قلب هذا التصور نموذج أرجل تنمية الموهبة الثلاث الذي يؤكد ثلاثة عناصر متكاملة، هي إتاحة الوصول إلى محتوى متقدم، وتدريس محفز فكريًا يتسم بالعمق والتعقيد، وفرص تعلم أصيلة قائمة على اهتمامات الطلاب، مع توطين غالبية خدمات تعليم الموهوبين داخل الفصل الدراسي العام بوصفه الموقع الرئيس لتنمية الموهبة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، خلص التحليل إلى أن التحديين المزدوجين، وهما التفتت المفاهيمي بين النماذج المتنافسة وقصور أنظمة التحديد، يقوضان معًا فاعلية برامج الموهوبين والمتفوقين وعدالتها، إذ توجه الموارد نحو الانتقاء بدل توجيهها نحو جودة الخبرات التعليمية ذاتها
2، يقدم نموذج أرجل تنمية الموهبة الثلاث بديلًا متكاملًا يجمع بين المحتوى المتقدم والتدريس المحفز فكريًا بالعمق والتعقيد وفرص التعلم الأصيلة القائمة على الاهتمام، فلا تتحقق تنمية الموهبة بركن واحد من هذه الأركان دون الركنين الآخرين
3، يستلزم هذا التصور نقل غالبية خدمات تعليم الموهوبين إلى داخل الفصل الدراسي العام بدل البرامج المنفصلة أو الانسحابية، فيغدو التدريس الصفي هو المسرح الرئيس لتنمية الموهبة، وتتشكل بذلك مقاربة نظامية متكاملة تنقل التركيز من تحديد الأفراد الموهوبين إلى تصميم بيئات صفية غنية بالفرص تنمي المواهب على نطاق واسع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يفتح هذا الطرح آفاقًا عملية لمخططي برامج الموهوبين والمعلمين، إذ يوجه الجهود نحو إثراء المناهج الصفية بمحتوى متقدم ومهام عميقة معقدة وأنشطة أصيلة تنبع من اهتمامات الطلاب، بدل استنزاف الجهد في إجراءات فرز متكررة محدودة الأثر، ويمكن للباحثين العرب اختبار هذا النموذج ميدانيًا في مدارس بلدانهم، ودراسة أثر البيئات الصفية الغنية بالفرص في استثارة قدرات الطلاب الكامنة، كما يفيد صانعي السياسات في إعادة توزيع الموارد بين برامج الانتقاء المنفصلة والتطوير المهني للمعلمين داخل الفصول العادية بما يخدم عدالة أوسع في الوصول إلى تعليم متقدم، ويتطلب إنجاح هذا التحول إعادة تأهيل المعلمين لتصميم مهام مفتوحة النهايات وتحديات متدرجة الصعوبة، ومنحهم صلاحيات مهنية لتكييف المحتوى بحسب استعدادات طلابهم واهتماماتهم، فالفصل الدراسي الغني بالفرص لا يُبنى بالمناهج وحدها بل بكفاءة المعلم وقناعته بأن الموهبة قد تظهر متأخرة وبأشكال غير متوقعة لدى طلاب لم تلتقطهم أدوات الفرز التقليدية
وخلاصة القول إن مستقبل تعليم الموهوبين مرهون بالتحول من منطق فرز الطلاب وتحديدهم إلى منطق تنمية الفرص داخل الفصول الدراسية، وإن نموذج تنمية الموهبة بأركانه الثلاثة يقدم الأساس النظري والعملي لهذا التحول المنشود








