تُستخدم برامج التأهيل القلبي على نطاق واسع لمعالجة عوامل نمط الحياة القابلة للتعديل لدى مرضى القلب، وفي مقدمتها الخمول البدني، غير أن الالتزام بتوصيات التمرين بعد انتهاء هذه البرامج يبقى دون المستوى المطلوب، فكثير من المرضى يتراجع نشاطهم البدني رغم ما اكتسبوه من مهارات، ويزداد الأمر صعوبة حين تقترن الحالة القلبية بأعباء نفسية كالقلق والاكتئاب تعيق قدرة المريض على ممارسة التمرين بانتظام، ومن هنا يبرز مفهوم الكفاءة الذاتية للتمرين، أي ثقة المريض بقدرته على ممارسة النشاط البدني رغم العوائق، بوصفه عاملًا نفسيًا قد يفسر جانبًا من تفاوت الالتزام بين المرضى
وتحظى هذه القضية بأهمية خاصة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الصحي وعلوم التأهيل، لأن أمراض القلب من الأسباب الرئيسة للمراضة في المنطقة العربية، ولأن برامج التأهيل القلبي ما تزال في طور التوسع، وفهم العوامل النفسية المحركة للنشاط البدني يساعد في تصميم برامج تأهيل تراعي البعد النفسي جنبًا إلى جنب مع التأهيل البدني والطبي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص دور الكفاءة الذاتية للتمرين في التأثير في النشاط البدني لدى مرضى التأهيل القلبي ذوي الأعباء النفسية، عبر تحليل ثانوي لبيانات تجربة عشوائية مضبوطة شملت ثلاثمئة وخمسة مشاركين أتموا برنامج تأهيل قلبي مدته أربعة أسابيع، وقِيست الكفاءة الذاتية بمقياس الكفاءة الذاتية للتمرين، بينما قُدّر النشاط البدني بجمع مدة وتكرار ما يصل إلى ثلاثة أنماط نشاط أسبوعية يمارسها المشاركون، وأجريت تحليلات ارتباطية للعلاقات بين الكفاءة الذاتية ومتغيرات تفسيرية محتملة، ونموذج انحدار خطي لتقويم الدور التنبؤي للكفاءة الذاتية عند خط الأساس في النشاط البدني عند متابعة الشهر الثالث، مع تحليل التغيرات عبر الزمن باختبارات مقترنة ونموذج آثار مختلطة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج علاقة متسقة بين الكفاءة الذاتية والنشاط البدني عند خط الأساس وعبر فترة المتابعة، ويمكن عرض أبرزها فيما يأتي
1، بلغ متوسط النشاط البدني الأسبوعي عند بدء التأهيل مئة وثماني دقائق، بينما بلغ متوسط الكفاءة الذاتية للتمرين 28.2 نقطة، في صورة أولية تعكس انطلاق المرضى من مستويات نشاط متواضعة تحتاج إلى دعم نفسي وسلوكي
2، تنبأت الكفاءة الذاتية عند خط الأساس بالنشاط البدني عند متابعة الشهر الثالث بعد ضبط النشاط البدني الأساسي، بمعامل انحدار قدره 0.10 وبدلالة إحصائية عند مستوى 0.006، ما يعني أن ثقة المريض المبكرة بقدرته على التمرين مؤشر على نشاطه اللاحق
3، ازدادت الكفاءة الذاتية عبر الزمن بمقدار 1.75 نقطة، وازداد النشاط البدني بمقدار 68.23 دقيقة، وكانت كلتا الزيادتين دالة إحصائيًا، وأشار نموذج الآثار المختلطة إلى أن كل زيادة بمقدار نقطة واحدة في الكفاءة الذاتية ارتبطت بزيادة قدرها 12.88 دقيقة في النشاط البدني عند المتابعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن الكفاءة الذاتية للتمرين قد تمارس أثرًا معتبرًا في النشاط البدني لدى مرضى التأهيل القلبي ذوي الأعباء النفسية، وأنها ينبغي أن تُعد معلمًا ناتجًا ذا صلة عند تصميم مكونات تدخل جديدة، وعلى صعيد الممارسة السريرية، تدعم النتائج إدماج فحص روتيني للكفاءة الذاتية عند الدخول إلى التأهيل، وتضمين البرامج استراتيجيات هادفة لتعزيزها، كالتدرج في الأهداف وتجارب الإتقان والنمذجة والدعم الاجتماعي، بدل الاكتفاء بوصفة تمارين موحدة لجميع المرضى
وتفيد هذه الرؤية برامج التأهيل القلبي في المستشفيات العربية، إذ يمكن بناء مسارات متابعة ترصد الكفاءة الذاتية والنشاط معًا بعد التخرج من البرنامج، وتوجه الدعم الإضافي للمرضى منخفضي الثقة قبل أن يتراجع نشاطهم، كما تدعو الباحثين إلى تجارب تدخلية تستهدف الكفاءة الذاتية مباشرة وتختبر أثرها السببي في النشاط البدني طويل الأمد لدى فئات مرضية متنوعة
وخلاصة القول إن الكفاءة الذاتية للتمرين ليست مجرد شعور مرافق للنشاط البدني، بل عامل نفسي متنبئ به وقابل للتنمية داخل برامج التأهيل القلبي، وهو ما وثقته بيانات ثلاثمئة وخمسة مرضى عبر أربعة أسابيع من التأهيل وثلاثة أشهر من المتابعة








