في ظل شيخوخة السكان المتسارعة والرقمنة الشاملة في الصين، يواجه الجيل الجديد من كبار السن مفارقة متنامية في الإدماج الرقمي، فالمشاركة الرقمية تحمل فوائد مهمة في التواصل والخدمات والتعلم، لكنها قد تولد في المقابل انزعاجًا جسديًا ومخاطر صحية وضغطًا نفسيًا واعتمادًا سلوكيًا يصعب الفكاك منه، وتتجاوز هذه المفارقة التفسيرات الشائعة التي ترد الإدمان الرقمي إلى ضعف المهارات الرقمية أو التراجع المعرفي أو نقص ضبط النفس، لتطرح سؤالًا أعمق عن دور الهوية ذاتها في تشكيل علاقة المسن بالتقنية
وتلامس هذه القضية اهتمامات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم نفس الشيخوخة وعلم اجتماع التقنية ودراسات الإعلام، لأن المجتمعات العربية تشهد بدورها اتساعًا في استخدام كبار السن للهواتف الذكية ومنصات التواصل مدفوعًا ببرامج التحول الرقمي الحكومية، وفهم الآليات الكامنة وراء الاستخدام المستدام أو الاعتمادي يمثل أساسًا لسياسات إدماج رقمي آمنة تحفظ كرامة المسن وتستثمر طاقته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير إطار متكامل يفسر المسار الذي يربط الإدماج الرقمي بإعادة بناء الهوية ثم بالإدمان الرقمي، مستندة إلى نظريات المسرح الاجتماعي ودافع الفرصة والقدرة والتميز الأمثل، وصاغت إعادة بناء الهوية عملية من خمس مراحل هي تشكيل الهوية والتماهي معها ونشرها والبناء المشترك لها وصيانتها، وأدخلت الإدراك الخوارزمي وضغط المنصة والتأمل الرقمي متغيرات مشروطة، واعتمدت تصميمًا مختلط الأساليب جمع بين نمذجة المعادلة البنائية والتحليل المقارن النوعي بالمجموعات الضبابية للتحقق من الإطار المقترح والكشف عن أنماط الإدمان الرقمي المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العلاقة بين الإدماج الرقمي والإدمان الرقمي علاقة مركبة غير مباشرة، ويمكن عرض أبرزها فيما يأتي
1، لا يثير الإدماج الرقمي الإدمان الرقمي بصورة مباشرة، بل يؤثر في الاستخدام المستمر بصورة غير مباشرة عبر مراحل متعددة لإعادة بناء الهوية، فالهوية المعاد تشكيلها في الفضاء الرقمي هي الحلقة الوسيطة الحاسمة في هذا المسار
2، تمارس المتغيرات المشروطة الثلاثة آثارًا متمايزة في العلاقة بين إعادة بناء الهوية والإدمان الرقمي، إذ يعمل الإدراك الخوارزمي وضغط المنصة والتأمل الرقمي بطرق مختلفة تشدد هذه العلاقة أو تخففها تبعًا لطبيعة كل منها
3، كشف التحليل عن ثلاثة أنماط للإدمان الرقمي هي نمط تشغيل الهوية ونمط تعزيز الهوية ونمط التوجيه بالمعايير، وهي أنماط تتجاوز التفسيرات التقليدية القائمة على محدودية المهارات الرقمية أو التراجع المعرفي أو ضعف ضبط النفس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتقدم هذه النتائج بفهمنا للعواقب غير المقصودة للإدماج الرقمي، إذ تبرز الدور المركزي لآليات الهوية المتمايزة في تشكل الإدمان الرقمي لدى كبار السن، وتشير إلى الحاجة إلى تدخلات متعددة المستويات توائم بين احتياجات الهوية وبنى المنصات والدعم الاجتماعي، بدل الاكتفاء ببرامج محو الأمية الرقمية التي لا تعالج الدوافع الهوياتية العميقة للاستخدام، وتشمل هذه التدخلات تصميم منصات تراعي خصوصية هذه الفئة وتدريبًا يرافق المسن عبر مراحل بناء هويته الرقمية لا عند نقطة الدخول فقط
وبالنسبة إلى صانعي السياسات والباحثين في البيئات العربية، يقدم الإطار أدوات تحليلية لفهم إدماج كبار السن في الخدمات الرقمية الحكومية والصحية والمصرفية، ولتصميم برامج مرافقة نفسية واجتماعية تقي من الاعتماد الرقمي، كما يدعو إلى دراسات ميدانية عربية تختبر أنماط الإدمان الثلاثة ومراحل إعادة بناء الهوية في سياقات ثقافية يعظم فيها دور الأسرة الممتدة والعلاقات الاجتماعية
وينبه الإطار كذلك مطوري المنصات ومقدمي الخدمات الرقمية إلى مسؤوليتهم في تصميم خوارزميات وبيئات استخدام لا تستغل حاجة المسن إلى التقدير والانتماء، فالمنصة التي تبني نماذج إيراداتها على إطالة زمن البقاء قد تحول دون قصد إعادة بناء الهوية إلى بوابة اعتماد سلوكي، وهو ما يستدعي معايير أخلاقية وتنظيمية واضحة لحماية هذه الفئة
وخلاصة القول إن الطريق إلى إدماج رقمي صحي ومستدام لكبار السن يمر عبر فهم الهوية لا عبر التقنية وحدها، فكلما وُجهت المشاركة الرقمية لتلبية احتياجات الهوية ضمن أطر داعمة وآمنة، ازدادت فرص جني فوائدها دون الوقوع في شرك الاعتماد








