يقوض سحب الأبحاث المنشورة موثوقية السجل العلمي، إذ يعني أن دراسة خضعت للتحكيم والنشر تبين لاحقًا أنها معيبة أو غير جديرة بالثقة، والأخطر أن الدراسات المسحوبة قد تستمر في الانتشار والاستشهاد بها حتى بعد سحبها، فتنقل نتائجها الخاطئة إلى أبحاث وممارسات جديدة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات استباقية تساعد الناشرين والمحكمين على رصد المنشورات المحتمل تعرضها للسحب قبل أن تتجذر في الأدبيات
وتتقاطع هذه الحاجة مع توجه متصاعد نحو توظيف التعلم الآلي في سلامة البحث العلمي، غير أن التنبؤ بالسحب مهمة دقيقة تتطلب بيانات واسعة موثوقة وخصائص قادرة على التقاط إشارات الخطر المبكرة، وتصلح الدراسة مثالًا تطبيقيًا للباحثين العرب المهتمين بعلوم البيانات ونزاهة النشر، إذ تبني مجموعة بيانات مفتوحة تجمع بين معلومات السحب والبيانات الببليوغرافية وتختبر عليها أساليب تصنيف متنوعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى ثلاثة أمور مترابطة، هي إنشاء مجموعة بيانات تجمع معلومات السحب مع البيانات الوصفية الببليوغرافية، وتدريب أساليب تعلم آلي متنوعة وتقويمها في التنبؤ بسحب المقالات، وتقدير إسهام كل خاصية في أداء المصنفات المعتمدة على الخصائص عبر دراسات الاستبعاد التدريجي للخصائص
وطور الباحثان مجموعة بيانات مفتوحة الوصول بدمج المعلومات من قاعدة بيانات رتراكشن ووتش وواجهة برمجة أوبن أليكس، واعتمدا تصميم الحالة والشاهد، إذ قورنت المقالات البحثية المسحوبة بمقالات غير مسحوبة نُشرت في الفترة نفسها، ثم دُربت مصنفات تقليدية معتمدة على الخصائص ونماذج مستفيدة من التمثيلات اللغوية السياقية وقُومت، وقيس الأداء بمقاييس الدقة الكلية والدقة الإيجابية والاسترجاع ودرجة إف واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حقق النموذج الأساسي لاما 3.2 أعلى دقة كلية بين جميع النماذج المختبرة، متفوقًا على المصنفات التقليدية والنماذج اللغوية السياقية الأخرى في هذا المقياس الجامع
2، حقق مصنف الغابات العشوائية دقة إيجابية قدرها 0.687 في تحديد المقالات غير المسحوبة، بينما بلغ النموذج الأساسي لاما 3.2 دقة إيجابية قدرها 0.683 في تحديد المقالات المسحوبة
3، تفوقت المصنفات التقليدية المعتمدة على الخصائص عمومًا على معظم نماذج اللغة السياقية، باستثناء النموذج الأساسي لاما 3.2 الذي أظهر أداء تنافسيًا عبر مقاييس متعددة
4، لم يتفوق أي نموذج منفرد عبر جميع المقاييس، إذ توزعت الأفضلية بين النماذج بحسب المقياس المستخدم، بما يعكس صعوبة مهمة التنبؤ وتباين أوجه قوة كل أسلوب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن تقنيات التعلم الآلي قادرة على دعم تحديد الأبحاث المسحوبة بفاعلية، وتوفر أساسًا لتطوير أدوات آلية تساعد الناشرين والمحكمين في اكتشاف المنشورات التي قد تكون إشكالية في مراحل مبكرة، سواء عند الفرز الأولي للمخطوطات أو في رصد الأدبيات المنشورة التي تستحق إعادة فحص، بما يحد من استمرار انتشار البحوث المعيبة
ومع ذلك تؤكد الدراسة أن الطريق ما يزال مفتوحًا للتحسين، إذ ينبغي أن تركز الأبحاث المقبلة على صقل هذه النماذج وفحص خصائص إضافية ترفع الأداء التنبؤي، وأن تتعامل المجلات مع مخرجات هذه الأدوات بوصفها إنذارات تستدعي التحقق البشري لا أحكامًا نهائية، حفاظًا على عدالة التعامل مع الباحثين وسلامة السجل العلمي معًا
وتعتمد جدوى مثل هذه الأدوات على جودة الخصائص المستخدمة في التدريب، فالبيانات الببليوغرافية وحدها قد تلتقط إشارات مثل أنماط الاستشهاد وخصائص المجلات والمؤلفين، بينما تضيف التمثيلات اللغوية السياقية قدرة على قراءة محتوى النص ذاته، ويقدم الجمع بين المسارين للباحثين درسًا منهجيًا في بناء نماذج تنبؤ متوازنة، كما تبرز دراسات الاستبعاد أهمية اختبار إسهام كل خاصية على حدة بدل الاكتفاء بالأداء الكلي للنموذج، وهو ما يجعل مجموعة البيانات المفتوحة التي أتاحتها الدراسة موردًا قابلًا لإعادة الاستخدام والتحسين من مجتمع البحث الدولي
وخلاصة القول إن رصد الأبحاث المسحوبة لم يعد مهمة يدوية خالصة، فقد أظهر التعلم الآلي قدرة واعدة على مسح الأدبيات واكتشاف إشارات الخطر، وإن نضج هذه الأدوات وتحسين خصائصها سيجعلاها عونًا حقيقيًا للناشرين والمحكمين في حماية موثوقية العلم المنشور








