تتعرض الغابات الطبيعية داخل المدن الكبرى وحولها لضغوط متزايدة من التوسع العمراني والأنشطة البشرية، ما يجعل بقايا الغابات المحفوظة داخل الحدائق الحضرية ملاذات أخيرة للتنوع الحيوي المحلي، ويُعد تقويم حالة حفظ هذه البقايا الغابية خطوة أساسية لاستدامة تنوع الأشجار في المدن الكبرى، إذ يكشف عن غنى الأنواع وبنيتها وقدرتها على التجدد الطبيعي، ويوجه قرارات الإدارة والصيانة نحو حماية ما تبقى من المنظومات البيئية الأصلية
وتقع مدينة كوريتيبا البرازيلية ضمن نطاق التوزيع الطبيعي لغابات المرتفعات المختلطة المطيرة، وهي تشكيل نباتي بيئي مميز يستحق الحماية، وتزداد أهمية دراسة حدائقها الحضرية مع تصاعد تحديات تغير المناخ وما تراكم عبر التاريخ من تأثيرات بشرية في هذه الغابات، وتقدم الدراسة للباحثين في البيئة والتخطيط الحضري مثالًا منهجيًا على كيفية قياس قيمة الحدائق الحضرية بوصفها بنية خضراء حافظة للتنوع لا مجرد مساحات ترفيهية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم تركيب وبنية بقايا الغابات في أربع حدائق حضرية داخل النطاق الطبيعي لغابات المرتفعات المختلطة المطيرة في مدينة كوريتيبا بولاية بارانا البرازيلية، من حيث غنى الأنواع وكثافة الأشجار ومؤشرات التنوع وطرائق انتشارها، بما يتيح الحكم على مدى احتفاظ هذه البقايا بخصائص الغابات الطبيعية
وخصص الباحثون 66 قطعة مسح مساحة كل منها 100 متر مربع، وسجلوا جميع الأشجار التي بلغ محيطها عند ارتفاع الصدر 15 سنتيمترًا فأكثر، ثم حللوا البيانات من حيث الكثافة ومؤشر شانون للتنوع ونسب الأنواع الرائدة وغير الرائدة والأنواع المنتشرة بوساطة الحيوانات، وهي مؤشرات تعكس مرحلة التعاقب البيئي وسلامة العمليات الإيكولوجية داخل البقايا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، سجل المسح 1256 فردًا شجريًا ينتمون إلى 44 عائلة نباتية و117 نوعًا من الأشجار، ولم تتجاوز الأنواع الغريبة الدخيلة ثلاثة أنواع فقط، بما يدل على احتفاظ البقايا بطابعها المحلي الأصيل
2، تراوحت كثافة الأشجار بين 1670 و2095 شجرة في الهكتار الواحد، بينما تراوحت كثافة الأشجار الميتة الواقفة بين 90 و188 شجرة في الهكتار، وهي قيم تعكس بنية غابية نشطة تمر بعمليات تجدد وموت طبيعية
3، تراوحت قيم مؤشر شانون للتنوع بين 3.00 و3.52، وهي قيم تضاهي مثيلاتها في بقايا الغابات غير الحضرية، بما يؤكد أن الحدائق المدروسة تحتفظ بتنوع شجري مرتفع
4، مثلت الأنواع غير الرائدة 84.6 في المئة من مجتمع الأشجار بعدد 99 نوعًا، ومثلت الأنواع المنتشرة بوساطة الحيوانات 76 في المئة بعدد 89 نوعًا، بما يشير إلى مرحلة تعاقب متقدمة وعلاقات إيكولوجية فاعلة مع الحيوانات الناشرة للبذور
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تغذي نتائج الدراسة النقاش الدائر حول الحاجة إلى إجراءات محددة ومتكاملة لإدارة الحدائق الحضرية المخصصة لحفظ تنوع الأشجار في تشكيل نباتي بيئي بعينه، مع مراعاة جوانب تغير المناخ والتأثيرات البشرية التاريخية، فالحفاظ على بقايا الغابات داخل المدن لا يتحقق بمجرد إعلانها حدائق، بل يتطلب رصدًا دوريًا لتركيبها وإدارة للأنواع الدخيلة وحماية لعمليات الانتشار والتجدد الطبيعي
وتنسحب هذه الدلالات على مدن عربية سريعة النمو تحتفظ بجيوب خضراء طبيعية أو شبه طبيعية، إذ يمكن للبلديات أن تستفيد من منهجية المسح بالقطع ومؤشرات التنوع في تقويم حدائقها وتحويلها إلى أصول بيئية موثقة علميًا، بما يخدم أهداف الاستدامة ويحفظ للأجيال المقبلة عينات حية من المنظومات الطبيعية الأصلية
وتبرز أهمية مؤشرات مثل غلبة الأنواع غير الرائدة وانتشار الأنواع المعتمدة على الحيوانات في نقل بذورها، لأنها تدل على أن البقايا لم تتجمد عند مرحلة مبكرة من التعاقب البيئي بل تقدمت نحو بنية ناضجة شبيهة بالغابات الطبيعية، كما أن رصد الأشجار الميتة الواقفة ضمن المسح يعكس فهمًا لدورها البيئي في إيواء الكائنات وتدوير المغذيات، وهي جوانب كثيرًا ما تُغفل في إدارة الحدائق حين تُعامل بوصفها مساحات خضراء تجميلية لا منظومات بيئية حية
وخلاصة القول إن الحدائق الحضرية في كوريتيبا أثبتت أنها ليست مساحات خضراء تجميلية فحسب، بل ملاذات حقيقية للتنوع الحيوي تضاهي في غناها بقايا الغابات الطبيعية، وإن إدارتها بعلم ووعي شرطان لبقائها قادرة على أداء هذا الدور في مواجهة التوسع العمراني وتغير المناخ








