تواجه تنمية السياحة في الشرق الأوسط تحديات متواصلة بفعل الاضطرابات والصراعات السياسية التي تشهدها المنطقة، إذ تتأثر صورة الوجهات السياحية في أذهان السياح بما يتداول عنها من مخاطر مدركة، غير أن تجارب بعض الدول تظهر أن الصورة ليست قدرًا محتومًا، فقد استطاعت سلطنة عمان أن تحافظ على موقعها وجهة سياحية واعدة بفضل سياستها الخارجية المحايدة واستقرارها الداخلي، ما يجعلها حالة جديرة بالدراسة لفهم كيفية تحول رضا السائح وقيمته المدركة إلى ولاء دائم رغم مخاوف المنطقة
وقد ناقشت دراسات سابقة أثر العوامل النفسية والاضطرابات السياسية في صناعة السياحة في العالم العربي على مستوى إجمالي عام، لكن دور العوامل السياسية الكبرى والمسيطرة مثل المخاطر المدركة ووسائل الإعلام والعلاقات الخارجية الدبلوماسية المحايدة لم يُبحث بعد على نحو كاف، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في السياحة والضيافة، لأنها تقدم أدلة تطبيقية من بيئة خليجية قريبة حول كيفية بناء الولاء السياحي في منطقة مضطربة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة الفروق بين السياح المحليين والدوليين في العوامل النفسية والسياسية المؤثرة في ولائهم لسلطنة عمان وجهة سياحية، وإلى بحث كيفية تأثر الولاء الاتجاهي والسلوكي برضا السياح وقيمتهم المدركة وارتباطهم بالمكان وألفتهم به ودوافعهم، إضافة إلى قياس مدى قدرة العوامل السياسية على التخفيف من مخاطر عدم الاستقرار السياسي في المنطقة بما يعزز صناعة السياحة العمانية
واعتمدت الدراسة مزيجًا من الأساليب النوعية ممثلة في التحليلات الوصفية والمقارنة، والأساليب الكمية ممثلة في نماذج الانحدار المتعدد والانحدار اللوجستي الترتيبي، وهو مزيج يتيح وصف الفروق بين فئات السياح وقياس قوة العلاقات بين المتغيرات النفسية والسياسية والولاء في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
1، طور السياح الدوليون ولاءً اتجاهيًا وسلوكيًا معًا تجاه سلطنة عمان، وتبين أن حيادها السياسي عامل مهم في هذا الولاء رغم تصوراتهم عن مخاطر المنطقة المحيطة
2، أبلغ السياح الدوليون عن مستويات رضا أعلى بدلالة إحصائية من رضا السياح المحليين عن عمان وجهة سياحية، بما يشير إلى أن تجربة الزائر الأجنبي تفوق توقعاته المسبقة
3، تفوقت العوامل النفسية لدى السياح العمانيين على عوامل الخطر المرتبطة بالمنطقة، بمعنى أن الرضا والقيمة المدركة والارتباط بالمكان والألفة والدوافع كانت مجتمعة أقوى أثرًا في الولاء من إدراك المخاطر السياسية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج أهمية مباشرة لصناع القرار في القطاع السياحي، إذ تكشف عن أفضل الممارسات لزيادة أعداد السياح وجودة تجربتهم استنادًا إلى خصائصهم ومعارفهم وسلوكياتهم، وتقترح الدراسة إصلاحات عملية لرفع معدلات إعادة الزيارة، منها تحسين الخدمات حول المواقع السياحية، والاستثمار في سياحة الرياضة والحياة البرية والمغامرات، والاستعانة بشركات علاقات عامة متخصصة في التسويق السياحي، وإزالة أي بيروقراطية أمام المستثمرين والشركات مع الترحيب بالمنافسة، وتعزيز السياحة الداخلية بوصفها محفزًا للاقتصاد في فترات الركود
وتفيد هذه الخلاصات وكالات السياحة والقطاع الخاص في المنطقة العربية عمومًا، إذ تظهر أن إدارة الصورة الذهنية للوجهة والحفاظ على علاقات خارجية متوازنة يمكن أن يحولا الاستقرار النسبي إلى ميزة تنافسية مستدامة، كما تنبه إلى أن جمهور السياح المحليين يستحق عناية خاصة لأن رضاهم جاء أدنى من رضا الدوليين، وهو ما قد يؤثر في قيامهم بدور سفراء غير رسميين لوجهتهم الوطنية
وتمتد فائدة الدراسة إلى الباحثين في التسويق السياحي، إذ تربط بين مفاهيم الولاء الاتجاهي بوصفه نية وتفضيلًا نفسيًا، والولاء السلوكي بوصفه زيارة فعلية متكررة، وتبين أن الانتقال من الأول إلى الثاني يمر عبر الرضا والقيمة المدركة والارتباط بالمكان، وهو إطار نظري يمكن اختباره في وجهات عربية أخرى تواجه تحديات الصورة الذهنية ذاتها، كما تفتح الدراسة الباب أمام بحوث لاحقة تقارن بين أجيال السياح ووسائل الإعلام المؤثرة في تصوراتهم
وخلاصة القول إن الولاء السياحي لا يُبنى بالمعالم وحدها، بل بمنظومة من الرضا والقيمة والارتباط النفسي مدعومة ببيئة سياسية مستقرة وصورة محايدة موثوقة، وتجربة سلطنة عمان تقدم نموذجًا عربيًا قابلًا للدراسة والاقتباس في بناء وجهات قادرة على الصمود أمام اضطرابات محيطها








