مع تسارع التحول الرقمي في الخدمات الصحية، أصبح استخدام تطبيقات الحجز والمتابعة والاستشارة عن بعد جزءًا من رحلة المريض اليومية، غير أن هذا التحول لا يطال الجميع بالعدالة نفسها، فحين يكون مقدم الرعاية لمريض مسن هو نفسه شخصًا متقدمًا في العمر، كزوج يرعى زوجته أو قريب يعتني بقريب، تتضاعف الصعوبات، إذ يجمع هؤلاء بين أعباء الرعاية ذاتها وتراجع القدرات الحسية والمعرفية المرتبط بالتقدم في السن وضعف الإلمام الرقمي، لتتشكل فجوة رقمية مركبة قد تعيق وصولهم إلى الخدمات الصحية الرقمية وتحرم مرضاهم من فوائدها، وهو ما يستدعي فهم تجاربهم فهمًا عميقًا من الداخل لا الاكتفاء بإحصاءات الوصول والاستخدام
وتستهدف هذه الدراسة تجارب مقدمي الرعاية المسنين وتحديات دعمهم عند استعمال تقنيات الصحة الرقمية، مقروءة بعدسة الفجوة الرقمية التي تتجاوز مجرد توفر الجهاز أو الاتصال إلى مهارات التشغيل والثقة والدعم المحيط، وتقدم أدلة تجريبية تصلح أساسًا لتطوير خدمات صحية رقمية شمولية وصديقة للمسنين، وهي قضية ملحة في المجتمعات العربية وغيرها مع ارتفاع متوسط الأعمار وازدياد أعداد مقدمي الرعاية الأسرية من كبار السن، وتفيد نتائجها الباحثين في التمريض والصحة العامة وطلاب الدراسات العليا وصانعي سياسات التحول الرقمي الصحي على حد سواء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تجارب الرعاية وتحديات الدعم التي يواجهها مقدمو الرعاية المسنون عند استخدام تقنيات الصحة الرقمية، من خلال منظور الفجوة الرقمية، واعتمدت تصميمًا وصفيًا نوعيًا، واستقطبت بالعينة القصدية 16 مقدم رعاية مسنًا لمرضى مسنين منومين من قسم القلب والأوعية الدموية في مستشفى جامعي من المستوى الثالث في مدينة قوانغتشو، وأجريت مقابلات شبه منظمة بين السادس من يوليو والخامس والعشرين من أغسطس 2025، وحللت البيانات باستخدام تحليل المضمون الموجه لاستخراج المحاور والفئات الفرعية التي تصف تجارب هؤلاء المقدمين ومعضلاتهم في التفاعل مع التقنيات الصحية الرقمية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تمثلت العوائق على مستوى الوصول في محورين هما عدم التوافق بين التراجع المرتبط بالتقدم في العمر وتصميم التقنية، وغياب الدعم بين الأجيال، إذ يجد مقدم الرعاية المسن واجهات لا تراعي ضعف بصره أو ذاكرته، ويفتقد في الوقت نفسه أبناء أو أقارب يعينونه على تجاوز العتبة الأولى للاستخدام
2، تمثلت التحديات التشغيلية في الحمل المعرفي الزائد الناشئ عن محدودية محو الأمية الرقمية، وفي مخاوف تتعلق بفاعلية التقنية وسلامتها، فتتكدس الخطوات والإجراءات فوق قدرة المستخدم المسن، ويرافقه قلق من الخطأ أو الاحتيال أو الإضرار بمريضه بسبب استخدام غير واثق
3، تمثلت فجوات الإدراك والثقة في الاعتماد على أساليب الرعاية التقليدية المألوفة، وفي قصور الإرشاد المهني وقنوات طلب المساعدة، فكثير من مقدمي الرعاية يفضلون ما اعتادوه وجهًا لوجه، ولا يجدون من العاملين الصحيين توجيهًا كافيًا ولا مسارات واضحة يلجؤون إليها عند التعثر
4، خلصت الدراسة إلى أن اجتماع هذه العوامل يولد ما يشبه العجز الرقمي، إذ تتراكم عوائق الوصول والتشغيل والثقة فتقوض قدرة مقدمي الرعاية المسنين على التنقل الفعلي في الخدمات الصحية الرقمية في مواقف الرعاية الواقعية رغم توفر التقنية ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج أن الفجوة الرقمية لدى مقدمي الرعاية المسنين لا تنحصر في الوصول أو المهارات، بل تتشكل أيضًا من التراجع المرتبط بالعمر وتعقيد تصميم التقنية ومحدودية الثقة وقصور الدعم، ومعالجة ذلك تتطلب حزمة متكاملة تشمل تصميمًا صديقًا للمسنين يبسط الواجهات ويراعي القدرات الحسية والمعرفية، وتدريبًا موجهًا على محو الأمية الرقمية يراعي إيقاع المتعلم المسن وحاجاته، وشبكة دعم متعددة القطاعات تضم الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية وصانعي السياسات، بما يضمن وصولًا منصفًا إلى الخدمات الصحية الرقمية ويعزز الشيخوخة الصحية، وهي رؤى قابلة للتطبيق في برامج التحول الرقمي الصحي في البلدان العربية حيث تعتمد رعاية المسنين بدرجة كبيرة على الأسرة، مع التنبه إلى أن عينة الدراسة صغيرة ومن مستشفى واحد فتعميمها يقتضي دراسات أوسع في سياقات ثقافية وصحية متنوعة
وخلاصة القول إن مقدمي الرعاية من كبار السن يواجهون في تعاملهم مع تقنيات الصحة الرقمية فجوة مركبة من عوائق الوصول وتحديات التشغيل وفجوات الثقة والدعم، تفضي مجتمعة إلى عجز رقمي يضعف انتفاعهم ومرضاهم بالخدمات الرقمية، ومن ثم فإن التصميم الصديق للعمر والتدريب الرقمي الملائم وشبكات الدعم متعددة القطاعات شروط أساسية لعدالة رقمية صحية لا تترك كبار السن ومقدمي الرعاية منهم على هامش التحول الرقمي








