شاع في الخطاب التربوي والتقني مصطلح المواطنين الأصليين للذكاء الاصطناعي وصفًا للمتعلمين الشباب ويفترض فيهم سهولة فطرية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي لمجرد نشأتهم في زمنه، غير أن هذا الوسم كثيرًا ما يحول العمر والتعرض للتقنية إلى بدائل مفترضة عن الكفاءة الحقيقية، فليس كل شاب يستخدم أدوات الذكاء التوليدي مستخدمًا كفئًا ناقدًا، وليس كل من نشأ بعيدًا عنها عاجزًا عن اكتساب كفاءتها، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة فحص هذا الافتراض الرائج بأدلة تجريبية وتصور مفاهيمي أدق، يربط الاستعداد للذكاء الاصطناعي بقدرات قابلة للقياس وممارسات فعلية وشروط وصول ووساطة مؤسسية لا بفئة عمرية جامدة
وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة للمربين وصانعي السياسات التعليمية والباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا، إذ تتسارع دعوات دمج الذكاء التوليدي في المناهج والتقويم، وقد يغري وسم جيل كامل بالأصالة الرقمية المؤسسات بتجاوز بناء الكفاءات الأساسية والتحقق النقدي من المعلومات، بينما تشير الأدلة المتنامية إلى تفاوت واسع بين الطلاب في مهاراتهم وأنماط استخدامهم وظروف وصولهم، وهو ما تناولته هذه الدراسة بالتحليل الثانوي لمجموعتي بيانات طلابية مفتوحة، مقترحة إطارًا علائقيًا قائمًا على الممارسة لفهم الأصالة في الذكاء الاصطناعي بوصفها تشكيلة قابلة للاختبار لا هوية جيلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إعادة فحص افتراض الأصالة العمرية للذكاء الاصطناعي من خلال تحليل ثانوي استكشافي لمجموعتي بيانات مفتوحة لطلاب، واقتراح إطار علائقي قائم على الممارسة يفسر الأصالة بوصفها تشكيلة قابلة للاختبار من أربعة أبعاد هي أسس الكفاءة، وممارسات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وشروط الوصول، والوساطة المؤسسية، ونبه الباحثون إلى أن مجموعتي البيانات لا تقيسان الأبعاد الأربعة كلها لدى المتعلمين أنفسهم، ولذلك يكون الإطار مستثارًا بالأدلة ومبررًا بها دون أن يكون مختبرًا اختبارًا كاملًا في هذه الدراسة، واعتمد التحليل نماذج انحدار لفحص ما يتنبأ بالاستعداد للذكاء الاصطناعي، وتحليلًا تصنيفيًا للكشف عن ملامح متجانسة في استخدام الطلاب للذكاء التوليدي وشروط وصولهم إليه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن المهارات التشغيلية الأساسية وحدها لا تفسر الاستعداد للذكاء الاصطناعي، فإجادة تشغيل الأدوات لا تعني بالضرورة جاهزية معرفية وسلوكية أوسع للتعامل الرشيد مع مخرجاتها وحدودها
2، كان محو الأمية المعلوماتية النقدي أكثر المتنبئات اتساقًا وإيجابية في نماذج الانحدار، بما يرفع مكانة التقويم النقدي للمصادر والمحتوى من مهارة مساندة إلى أساس جوهري للكفاءة في عصر الذكاء التوليدي
3، تباين استخدام الطلاب للذكاء التوليدي وشروط وصولهم تباينًا واسعًا، وانقسموا إلى أربعة ملامح قابلة للتفسير هي متعلمون منخفضو التبني، ومستخدمون مكثفون متعددو المهام، ومستخدمون معتدلون معتمدون على الهاتف المحمول، ومتبنون معرفيون متوازنون، وهو تنوع يدحض صورة الجيل المتجانس
4، لا تثبت هذه النتائج من هو المواطن الأصلي للذكاء الاصطناعي ومن ليس كذلك، بل تبين قصور الوسم العمري تحليليًا، وتدعو إلى دراسة الأصالة عبر الكفاءة والممارسة والوصول والوساطة المؤسسية مجتمعة لا عبر تاريخ الميلاد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مباشرة للسياسات والممارسات التعليمية، فبناء المناهج على افتراض كفاءة جيلية جاهزة يخاطر بترك فئات واسعة من الطلاب دون دعم، في حين يوجه الإطار المقترح الاهتمام إلى تنمية محو الأمية المعلوماتية النقدي بوصفه الرافعة الأقوى للاستعداد، وإلى مراعاة تفاوت شروط الوصول بين الطلاب عند تصميم أنشطة الذكاء التوليدي وواجباته، وإلى دور المؤسسات التعليمية وسيطًا منظمًا لا متفرجًا، وتفيد هذه الرؤية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في صياغة دراسات لاحقة تقيس الأبعاد الأربعة لدى متعلمين أنفسهم، وتبني أدوات قياس أصدق من الأسئلة العمرية المباشرة، وتختبر الإطار المقترح اختبارًا كاملًا عبر سياقات تعليمية متنوعة
وخلاصة القول إن الأصالة في الذكاء الاصطناعي ليست هوية جيلية تورث مع العمر، بل تشكيلة من كفاءات وممارسات وشروط وصول ووساطة مؤسسية تختلف بين المتعلمين وتصلح للقياس والبناء، وقد بينت الدراسة أن محو الأمية المعلوماتية النقدي هو المتنبئ الأرسخ بالاستعداد، وأن الطلاب يتوزعون على ملامح استخدام متباينة، ليغدو الوسم العمري وحده أساسًا غير كاف لبناء سياسات تعليمية عادلة وفاعلة في زمن الذكاء التوليدي








