تحظى مقررات الأحياء التمهيدية بمكانة محورية في المسارات الجامعية للطلاب، فهي بوابة العبور الأولى نحو تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والطب، وتؤثر خبرة الطالب فيها في استمراره على مسارات العلوم الحياتية أو انصرافه عنها، ومع ذلك فإن المعرفة المتاحة حول من يتولى تدريس هذه المقررات البوابية على النطاق الوطني ما تزال محدودة، رغم أن الجهود الجماعية الرامية إلى بناء خبرات شاملة للطلاب ترتبط بالبنى المهنية والسياسية التي يعمل في إطارها مدرسو هذا المقرر المحوري
وتثير قضية أنواع التعيين الأكاديمي اهتمامًا متزايدًا في أدبيات التعليم العالي، إذ يتنوع مدرسو الجامعات بين أعضاء هيئة تدريس دائمين على مسار التثبيت أو مثبتين فعليًا، وآخرين مؤقتين خارج هذا المسار، ويختلف توزيع هاتين الفئتين بين المؤسسات والبرامج، وهو اختلاف قد ينعكس على خبرة الطالب وعلى استقرار العملية التعليمية في المقررات ذات الأعداد الكبيرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم صورة وطنية لتوزيع أنواع تعيين أعضاء هيئة التدريس في مقررات الأحياء التمهيدية، واعتمدت عينة تضم عدة مئات من الكليات والجامعات الأمريكية اختيرت بصورة تقارب المشهد الوطني من حيث المنطقة الجغرافية ونوع المؤسسة، واستخدم الباحثون مجموعة بيانات ضخمة متعددة الجداول تضم الشعب الدراسية، فرُمزت ألقاب المدرسين منهجيًا إلى فئات ثلاث هي المؤقتون خارج مسار التثبيت، والدائمون على مسار التثبيت أو المثبتون، وفئات أخرى، ثم حُسبت تقديرات التوزيع على مستوى الشعبة الدراسية وعلى مستوى المؤسسة معًا، وسعت الدراسة إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة تتعلق بمن يدرس غالبية الشعب، وبتباين التوزيع بحسب خصائص المؤسسات، وباختلاف التقديرات تبعًا لطريقة الترجيح المعتمدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج صورة مركبة لتوزيع أعضاء هيئة التدريس على المقررات البوابية، يمكن إجمال أبرز ملامحها في النقاط الآتية
1، يدرس أعضاء هيئة التدريس الدائمون غالبية شعب الأحياء التمهيدية في هذه العينة الوطنية، خلافًا لتصور شائع يربط المقررات البوابية بالمدرسين المؤقتين
2، يتباين توزيع أنواع التعيين تباينًا واسعًا بين المؤسسات، مع فروق واضحة مرتبطة بنوع المؤسسة وسياقها وخصائصها البنيوية
3، تختلف الاستنتاجات حول من يدرس الأحياء التمهيدية باختلاف عدسة التحليل، فالتحليلات المرجحة بالشعب الدراسية تبرز الخبرة النمطية للطالب، بينما تبرز التحليلات المرجحة بالمؤسسات الممارسة المؤسسية النمطية
4، تقدم الدراسة إرشادات منهجية لدراسة أدوار هيئة التدريس في التعليم الجامعي للعلوم، وأدلة خاصة بالتخصص حول كيفية تشكل القوى العاملة الأكاديمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة هذه النتائج في أنها تنبه صانعي السياسات الجامعية إلى أن قرارات التعيين في المقررات البوابية ليست شأنًا إداريًا داخليًا فحسب، بل عاملًا مؤثرًا في عدالة الخبرة التعليمية وشمولها، كما تدعو الباحثين إلى الدقة في اختيار وحدة التحليل عند دراسة القوى العاملة الأكاديمية، ويمكن للباحثين العرب الاستفادة من هذا المدخل المنهجي في دراسة توزيع أعضاء هيئة التدريس بين الدائمين والمتعاقدين في الجامعات العربية وأثره في جودة المقررات التأسيسية ذات الأعداد الكبيرة
وتزداد أهمية هذا الموضوع في ضوء التوسع الكمي في التعليم العالي وما يصاحبه من ضغوط على الموارد البشرية، إذ تلجأ مؤسسات كثيرة إلى التوسع في التعاقدات المؤقتة لاستيعاب الأعداد المتزايدة، وهو ما يجعل رصد أنماط الإسناد التدريسي وتحليلها شرطًا لفهم أعمق لجودة التعليم الجامعي وعدالته
ويفتح هذا النقاش المجال لدراسات عربية ترصد أنماط الإسناد التدريسي في المقررات التأسيسية الكبرى وعلاقتها بمؤشرات جودة التعلم ورضا الطلاب واستمرارهم في التخصصات العلمية
كما يذكرنا بأن سياسات التعيين الأكاديمي ليست قرارات مالية فحسب، بل خيارات تربوية تنعكس في خبرة آلاف الطلاب الذين يمرون بالمقررات البوابية في سنواتهم الأولى
وخلاصة القول إن من يدرس المقررات البوابية سؤال جوهري في فهم التعليم الجامعي للعلوم، وقد بينت الدراسة أن أعضاء هيئة التدريس الدائمين يدرسون غالبية شعب الأحياء التمهيدية في العينة المدروسة، مع تباين مؤسسي واسع، وأن قراءة هذا الواقع تظل رهينة بعدسة التحليل المعتمدة وطريقة ترجيح البيانات








