تتناول هذه الدراسة قضية التدريس عبر الثقافات في التربية الموسيقية، وتنطلق من واقع تعليمي يتسم بتزايد الاستقطاب الاجتماعي والتعقيد الثقافي في المجتمعات المعاصرة، حيث تتعدد خلفيات الطلاب وانتماءاتهم داخل الفصل الدراسي الواحد، وتتعالى الدعوات الموجهة إلى التربويين في التعليم العالي لتجاوز التعددية الثقافية الاحتفالية التي تكتفي بإبراز مظاهر التنوع، نحو ممارسة تعليمية عابرة للثقافات مستنيرة نقديًا، تهيئ الطلاب المعلمين للعمل في فصول القرن الحادي والعشرين
ويحتل مفهوم الأصالة الثقافية موقعًا محوريًا في هذا النقاش، إذ كثيرًا ما يُتعامل معه بوصفه خاصية جوهرية ثابتة تلازم الأعمال والممارسات الموسيقية، غير أن التعامل مع التراث الموسيقي للثقافات الأخرى يثير أسئلة دقيقة حول المعرفة والملكية الثقافية والاستيلاء الثقافي، وهو ما يجعل إعادة التفكير في الأصالة شرطًا لبناء تعليم موسيقي مستجيب ثقافيًا، يحقق الانتماء والشمول داخل البيئات التعليمية المتنوعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى استكشاف كيفية توظيف اللقاءات الموسيقية العابرة للثقافات في تنمية الكفاءة الثقافية والتفكير النقدي لدى الطلاب المعلمين قبل الخدمة، واعتمدت على تعاون عابر للحدود الوطنية ومستدام بين أستراليا وإسبانيا في سياق إعداد المعلمين الأولي، واستخدم الباحثان منهج الإثنوغرافيا الذاتية التعاونية، فعمدا إلى التأمل النقدي المشترك في ممارساتهما البيداغوجية وما يترتب عليها من آثار في التعليم الموسيقي المستجيب ثقافيًا، مع إيلاء اهتمام خاص للقاءات التي يشارك فيها حاملو الثقافة أنفسهم بوصفهم شركاء في الخبرة والمعرفة
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت التأملات التحليلية التي أجراها الباحثان إلى مجموعة من الاستنتاجات المترابطة، يمكن عرض أبرزها في النقاط الآتية
1، أسهمت اللقاءات الموسيقية العابرة للثقافات، ولا سيما تلك التي يشارك فيها حاملو الثقافة، في تنمية الكفاءة الثقافية والتفكير النقدي لدى الطلاب المعلمين قبل الخدمة
2، رافقت هذه اللقاءات توترات حقيقية تتعلق بطبيعة المعرفة الثقافية وحدودها، وبقضايا الملكية الثقافية، وبمفهوم الأصالة ذاته، وبمخاطر الاستيلاء الثقافي على تراث الآخرين
3، أعادت الدراسة تصور الأصالة بوصفها عملية علائقية وحوارية، تُبنى بصورة مشتركة عبر التفاعل والوساطة والانخراط الحساس للسياق، لا بوصفها خاصية ثابتة ملازمة للعمل الموسيقي
4، اقترحت الدراسة إطارًا مفاهيميًا يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة، هي الشراكات التعاونية، والأصالة العلائقية، والوساطة الحوارية عبر تيسير التربوي لعمليات التعلم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالات هذه الدراسة في تقديمها مقاربة مؤسسة أخلاقيًا وبيداغوجيًا للتعليم الموسيقي العابر للثقافات، تتجاوز تمثيل التنوع الثقافي إلى انخراط مستدام ومجدٍ معه، وتعيد الاعتبار إلى دور التربوي وسيطًا ثقافيًا ييسر الحوار بين الثقافات داخل الفصل الدراسي، ويمكن لبرامج إعداد المعلمين في البيئات العربية أن تستفيد من هذا الإطار في تصميم خبرات موسيقية وفنية تحترم خصوصية التراث المحلي وتنفتح على التراث العالمي في آن واحد، بما يعزز قيم الانتماء والشمول ويطور ممارسات تعليمية مستجيبة ثقافيًا لدى أجيال المعلمين المقبلة
كما تفتح الدراسة بابًا واسعًا أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا لدراسة قضايا الأصالة والملكية الثقافية في مناهج التربية الموسيقية والفنية، وبحث كيفية توظيف التراث الموسيقي المحلي والعربي في الفصول الدراسية دون اختزاله أو تسطيحه، وكيفية إشراك حاملي التراث من الفنانين والممارسين في الخبرات التعليمية، وهو مجال ما يزال بحاجة إلى دراسات عربية ميدانية ترصد الممارسات الفعلية وتحلل تحدياتها وإمكاناتها
وتنسجم هذه الدعوة مع توجهات تربوية أوسع ترى في التربية الفنية مدخلًا لبناء التفاهم بين الثقافات في عالم يتسم بالتنقل والهجرة وتداخل الهويات الثقافية داخل المدرسة الواحدة
ويحتاج تطبيق هذا الإطار في السياقات العربية إلى بحوث ترصد واقع تدريس التراث الموسيقي المحلي في المناهج، وتستكشف اتجاهات المعلمين نحو الثقافات الموسيقية الأخرى وسبل إشراك الممارسين التراثيين في التعليم
وخلاصة القول إن التعليم الموسيقي العابر للثقافات لا يتحقق بانتقاء أعمال من ثقافات متنوعة وعرضها في الفصل الدراسي، بل ببناء شراكات تعاونية أصيلة، وبفهم الأصالة عملية حوارية تُصنع بالتفاعل، وبوساطة تربوية واعية تدير اللقاء الثقافي بحساسية أخلاقية، وبذلك يصبح تعليم الموسيقى مدخلًا لتنمية الانتماء والشمول والكفاءة الثقافية لدى المعلمين قبل الخدمة








