يعد وضوح مفهوم الذات عاملًا مهمًا في الصحة النفسية لطلاب الجامعات، إذ يرتبط باتساق الفرد في فهم ذاته وثبات صورة هويته عبر المواقف والمراحل، وقد أظهرت بحوث سابقة وجود علاقة إيجابية بين التعاطف مع الذات بمكوناته الثلاثة المتمثلة في اللطف مع الذات واليقظة الذهنية والإنسانية المشتركة وبين وضوح مفهوم الذات، غير أن الآليات الكامنة وراء هذه العلاقة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الفحص، ومن المرشح بقوة أن تكون المرونة النفسية إحدى هذه الآليات لما لها من دور في التكيف مع الضغوط وتجاوز الخبرات الصعبة، وتأتي هذه الدراسة لتجمع بين منهجين متكاملين هما المنهج المتمركز حول المتغيرات والمنهج المتمركز حول الأشخاص، بما يقدم للباحثين العرب في علم النفس الإيجابي والإرشاد الجامعي صورة أعمق عن كيفية عمل هذه المتغيرات معًا لدى الطلاب، ويتزايد اهتمام الباحثين العرب بمتغيرات علم النفس الإيجابي في البيئة الجامعية العربية لما توفره من مداخل وقائية وتنموية تدعم تكيف الطلاب الأكاديمي والنفسي وتمنح المرشدين الجامعيين أدوات عملية قابلة للقياس والتدخل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين التعاطف مع الذات ووضوح مفهوم الذات واستكشاف الدور الوسيط المحتمل للمرونة النفسية في هذه العلاقة، وجمعت البيانات في ديسمبر من عام 2023 من 1353 طالبًا جامعيًا صينيًا طبقت عليهم النسخ الصينية المعدلة من مقياس التعاطف مع الذات ومقياس وضوح مفهوم الذات ومقياس كونور ديفيدسون للمرونة النفسية المكون من عشرة بنود، وأجريت تحليلات الوساطة البسيطة وتحليل الملامح الكامنة باستخدام برامج إحصائية متخصصة في التحليل القياسي النفسي والنمذجة الكامنة، بما أتاح الجمع بين النظر إلى العلاقات على مستوى العينة كلها والنظر إلى أنماط الأفراد الفرعية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر التحليل المتمركز حول المتغيرات أن المرونة النفسية أدت دورًا وسيطًا في العلاقة بين التعاطف مع الذات ووضوح مفهوم الذات، وكذلك في علاقة كل مكون من مكونات التعاطف مع الذات الثلاثة بوضوح مفهوم الذات
2، عند إدخال المرونة النفسية في نموذج الوساطة ظهر أن لمكون الإنسانية المشتركة أقوى أثر مباشر في وضوح مفهوم الذات بين المكونات الثلاثة
3، أدت المرونة النفسية أقوى دور وسيط في مسار اليقظة الذهنية، بما يشير إلى أن حضور الذهن المتزن يتحول إلى وضوح في مفهوم الذات عبر تعزيز قدرة الفرد على التكيف والصمود
4، أظهر التحليل المتمركز حول الأشخاص إمكانية تصنيف العينة إلى ثلاثة ملامح كامنة، وسجل أصحاب ملف التعاطف المرتفع مع الذات أعلى مستويات المرونة النفسية ووضوح مفهوم الذات
5، عند اتخاذ ملف التعاطف المنخفض مرجعًا للمقارنة ظلت المرونة النفسية وسيطًا نسبيًا في الملفين الضعيف والمرتفع، بينما لم تظهر العلاقة المباشرة بين التعاطف مع الذات ووضوح مفهوم الذات إلا في الملف المرتفع وحده
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج الدور المهم للتعاطف مع الذات والمرونة النفسية في تعزيز وضوح مفهوم الذات لدى الطلاب، وتؤكد ضرورة تصميم برامج تدخل مخصصة بحسب الفئات الفرعية للطلاب بدلًا من البرامج الموحدة، فالطالب الذي يختلف ملفه النفسي يحتاج إلى مداخل إرشادية مختلفة في شدتها ومحتواها، وتقدم الدراسة لمراكز الإرشاد الجامعي أساسًا علميًا لبناء أنشطة تنمي اللطف مع الذات واليقظة الذهنية وتنمي في الوقت ذاته مهارات التكيف المرن، كما تمثل نموذجًا منهجيًا يجمع بين تحليل المتغيرات وتحليل الأشخاص يمكن للباحثين العرب محاكاته في دراسات الصحة النفسية الجامعية، ويستفيد من هذه النتائج أيضًا مصممو برامج الإرشاد النفسي الجامعي في التخطيط لأنشطة جماعية وفردية تراعي التدرج في مستويات التعاطف مع الذات بين الطلاب، وفي بناء مؤشرات تقويم قبلية وبعدية لقياس أثر هذه الأنشطة في مرونة الطلاب ووضوح هويتهم الذاتية عبر سنوات الدراسة الجامعية
وخلاصة القول إن التعاطف مع الذات يعمل بوصفه موردًا نفسيًا يغذي المرونة النفسية ومن خلالها يتضح مفهوم الذات لدى الطلاب، وإن الاهتمام ببناء هذين الموردين في البيئة الجامعية يمثل استثمارًا مباشرًا في الصحة النفسية والتوافق الأكاديمي لطلبة الجامعات








