تكتسب بحوث الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية أهمية حاسمة لتحسين دقة التشخيص وترشيد العمليات وتخصيص أساليب العلاج بما يحقق نتائج أفضل للمرضى، ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى قاعات التعليم الطبي والصحي يثار سؤال حول مدى قبول أعضاء هيئة التدريس لاستخدام طلابهم هذه الأدوات في تشخيص المرضى، إذ يتأرجح هذا الاستخدام بين وعود الكفاءة ومخاوف تتعلق بالأخطاء وغياب اللمسة الإنسانية وإضعاف التفكير الناقد لدى الممارسين المستقبليين، وتتزامن هذه الأسئلة مع تسارع تبني الجامعات لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وغير التوليدي في التدريس والتقويم
وتتعاظم حساسية هذا النقاش في الدول النامية حيث تتفاوت البنى التحتية الرقمية وخبرات الكوادر الصحية بأدوات الذكاء الاصطناعي، وحيث قد تؤدي الفجوات التدريبية إلى تبن غير متكافئ بين المؤسسات والأجيال المهنية، كما يتداخل البعد الثقافي في قبول هذه الأدوات عبر قيم مجتمعية تؤكد مركزية العلاقة الإنسانية في الرعاية الصحية وتجعلها معيارا أخلاقيا لا يقبل المساومة عند إدخال أي تقنية جديدة إلى غرفة الفحص والتشخيص
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تصورات محاضري العلوم الصحية ومدى قبولهم لأدوات الذكاء الاصطناعي حين يستخدمها الطلاب في تشخيص المرضى في مؤسسة تعليم عال مختارة بمقاطعة غاوتنغ في جنوب أفريقيا، واعتمدت منهجا نوعيا استكشافيا وصفيا، واختير المحاضرون بأسلوب العينة القصدية، وجمعت البيانات عبر مقابلات فردية شبه منظمة باستخدام دليل مقابلة بأسئلة مفتوحة وأسئلة سابرة، وأجريت المقابلات جميعها باللغة الإنجليزية وسجلت رقميا وفرغت حرفيا، وحللت البيانات بتحليل المضمون الموضوعي باستخدام برنامج إنفيفو 14
ثانيًا: أبرز النتائج
1، انبثق عن تحليل البيانات 13 موضوعا، أظهرت قلق المحاضرين بشأن دقة التشخيص والرقابة الأخلاقية والإنسانية وغياب الاتصال العاطفي وقيمة الإنسانية تجاه الآخرين المعروفة بأوبونتو، وأبدى بعضهم تحفظا وعدم ارتياح لاستخدام الذكاء الاصطناعي
2، قدرت الأغلبية الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التعليم وفي مجالات رعاية صحية محددة، ورأت أنه يحسن الكفاءة في التعليم والتشخيص، وأكدت فائدة أدواته عموما وأهمية قابليتها للاستخدام في البحث والتعليم
3، ربط المحاضرون أثر استخدام الذكاء الاصطناعي بتأثيرات الأجيال في تبنيه، وبتأثير الجوائح والشبكات في قبوله، وبالحاجة إلى دعم مؤسسي وتدريب في ظل محدودية الخبرة بأدواته في البيئات السريرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا حساسا لدى مهن كثيرة فيما يتصل باستخدامه لأغراض التشخيص، فأغلبية محاضري العلوم الصحية مهتمون باستخدامه في التشخيص شريطة تثقيفهم على نحو سليم، في حين يرى بعضهم أنه لا يصلح إلا للتعليم والتعلم لا للتشخيص، وتوجد تباينات في أحكام المدرسين وقبولهم لأدوات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الطلاب للمرضى، وتشمل العوائق مخاوف تتعلق بالإنسانية والأخطاء وسوء التشخيص وقمع التفكير الناقد وإنتاج ممارسين كسالى مستقبلا، وتوصي الدراسة بأن تدرب مؤسسات العلوم الصحية أعضاء هيئة التدريس وتدعمهم في استخدام الأدوات التكنولوجية دون فقدان اللمسة الإنسانية، وهي توصية صالحة لمؤسسات التعليم الصحي العربية التي تواجه أسئلة مشابهة حول دمج الذكاء الاصطناعي في التدريب السريري
وتقترح هذه الصورة خارطة طريق عملية للمؤسسات الصحية التعليمية تبدأ ببناء كفايات أعضاء هيئة التدريس أنفسهم قبل مطالبة الطلاب بتوظيف الأدوات، وتمر بوضع أطر أخلاقية وسياسات استخدام واضحة تحدد الأدوار المقبولة للذكاء الاصطناعي في التعليم والتشخيص، وتنتهي بتقويم مستمر لأثر هذه الأدوات في جودة التعلم وسلامة المرضى، ويفيد هذا التسلسل مؤسسات عربية تخطط لدمج الذكاء الاصطناعي في مناهج الطب والعلوم الصحية، مع ضرورة إشراك أعضاء هيئة التدريس أنفسهم في تصميم هذه البرامج وتقويمها حتى لا تتحول إلى متطلبات شكلية تفتقر إلى القبول والالتزام المؤسسي الحقيقي
وخلاصة القول إن آراء محاضري العلوم الصحية تجاه استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي في التشخيص تتوزع بين حماس مشروط بالتدريب وتحفظ يستند إلى قيم إنسانية ومهنية، بما يجعل الدعم المؤسسي والتأهيل المدروس شرطين لأي دمج مسؤول لهذه الأدوات في التعليم الصحي








