يمر طلاب الجامعات بمرحلة حاسمة من التنشئة المهنية والاستعداد لسوق العمل، إذ يواجهون منافسة حادة على الفرص الوظيفية وضغوطًا متصاعدة تتعلق بإمكانات توظيفهم بعد التخرج، وتولد هذه الضغوط توقعات سلبية تجاه آفاقهم المهنية المستقبلية تسهم في نشوء قلق التوظيف وتنامي مستوياته لديهم، وهو قلق قد يعوق إعداد الطالب المهني ويضعف اندفاعه نحو بناء مساره الوظيفي بثقة واقتدار
وفي مقابل المداخل التقليدية لمواجهة هذا القلق، تبرز التربية الرياضية في الهواء الطلق بوصفها مدخلًا تجريبيًا يجمع بين النشاط البدني ومواجهة التحديات وبناء المهارات الذاتية في بيئات واقعية، ويثار تساؤل بحثي حول ما إذا كانت هذه التربية تنعكس على قلق التوظيف لدى الطلاب انعكاسًا مباشرًا، أو عبر متغيرات وسيطة مثل إدارة الذات والخوف من الفشل، وهو ما فحصته الدراسة بتصميم يجمع بين البعدين الطولي والمقطعي ويختبر مسارات وساطة متعددة ومتسلسلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اختيرت ثمانية فصول دراسية ووزعت عشوائيًا على مجموعة تدخل ضمت أربعة فصول شاركت في برنامج منظم للتربية الرياضية في الهواء الطلق، ومجموعة ضابطة ضمت أربعة فصول مارست أنشطة بدنية تقليدية مثل كرة السلة والتمارين الهوائية، وقيس قلق التوظيف بمقياس قلق التوظيف المستقبلي، وإدارة الذات باستبيان إدارة الذات، والخوف من الفشل بجرد تقويم الفشل في الأداء، وحللت البيانات باختبارات ت للعينات المستقلة والإحصاءات الوصفية وتحليل الارتباط وتحليل الوساطة وفق خطوات بارون وكيني السببية مدعومة بخمسة آلاف عملية إعادة معاينة للتحقق من دلالة الآثار غير المباشرة، وقد سجلت التجربة في سجل دولي للتجارب السريرية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أثرًا متعدد المسارات للتربية الرياضية في الهواء الطلق في المتغيرات النفسية والمهنية المدروسة، وتتضح أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، أظهر طلاب مجموعة التدخل بعد البرنامج مستويات أدنى دالًا من قلق التوظيف في مجالات القدرة الشخصية وقابلية الاستبدال المهني والعلاقات الاجتماعية مقارنة بالمجموعة الضابطة
2، سجلت مجموعة التدخل درجات أعلى دالًا في أبعاد إدارة الذات الأربعة جميعها، وهي إدارة السلوك وإدارة الانفعالات وإدارة الوقت وإدارة الإدراك
3، انخفضت لدى مجموعة التدخل درجات ثلاثة أبعاد من الخوف من الفشل انخفاضًا دالًا، وهي الخوف من التعرض للإحراج، والخوف من تقليل الآخرين من قيمة الذات، والخوف من فقدان اهتمام الآخرين
4، أظهر تحليل تفكيك الأثر أن الأثر المباشر للتربية الرياضية في الهواء الطلق في قلق التوظيف بلغ 28.1 في المئة من الأثر الكلي، بينما أسهم الأثر غير المباشر عبر إدارة الذات بنحو 26.3 في المئة من الأثر الكلي
5، فسر الأثر غير المباشر عبر الخوف من الفشل نحو 33.3 في المئة من الأثر الكلي، وبلغت حصة مسار الوساطة المتسلسلة الذي يجمع إدارة الذات والخوف من الفشل معًا نحو 12.3 في المئة من الأثر الكلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يتضح من مجمل النتائج أن التربية الرياضية في الهواء الطلق ترتبط بانخفاض قلق التوظيف لدى طلاب الجامعات وتعزيز كفاءات إدارة الذات لديهم وخفض خوفهم من الفشل، وأن المتغيرين الأخيرين يعملان وسيطين مستقلين في هذه العلاقة ووسيطين متسلسلين في مسار واحد في آن معًا، وتفيد هذه الدلالات الجامعات العربية في تصميم برامج أنشطة طلابية هادفة لا تقتصر غايتها على اللياقة البدنية، بل تستهدف البناء النفسي والمهني للطالب وتهيئته الواقعية لمتطلبات سوق العمل، كما تدعو الباحثين وطلاب الدراسات العليا إلى اختبار هذه المسارات الوسيطة في عينات عربية متنوعة وبمتابعات طولية أطول أمدًا
كما تعزز الدراسة الاهتمام البحثي المتنامي بالمداخل التجريبية الإيجابية في الإرشاد الجامعي، التي تبني موارد الطالب النفسية والمهنية بدل الاكتفاء بمعالجة أعراض القلق بعد ظهورها وتفاقمها وتحولها إلى عائق أمام التعلم والتوظيف
وخلاصة القول إن الاستثمار في التربية الرياضية في الهواء الطلق داخل الجامعات يتجاوز حدود النشاط البدني التقليدي ليصبح أداة نفسية وتربوية تخفض قلق التوظيف وتبني كفاءات إدارة الذات وتخفف الخوف من الفشل لدى الطلاب، وهي أبعاد تتكامل في إعداد طالب جامعي أكثر ثقة بنفسه وجاهزية للانتقال الآمن إلى الحياة المهنية بعد التخرج








