يعد الجنف مجهول السبب لدى المراهقين أكثر اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي شيوعًا في هذه المرحلة العمرية الحساسة، إذ ينحرف العمود الفقري عن استقامته الطبيعية بدرجات متفاوتة قد تتفاقم مع النمو، ويمتد أثر هذا الاضطراب إلى ما وراء التشوه الجسدي الظاهر ليشمل الصورة الذاتية للجسد والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية للمراهق، غير أن الممارسة الإكلينيكية كثيرًا ما تولي تصحيح التشوه الفقري أولوية تفوق معالجة التبعات النفسية والاجتماعية المرافقة له
ومن هذا المنطلق هدفت الدراسة إلى فحص الخصائص النفسية والاجتماعية والنتائج الصحية النفسية لدى المراهقين المصابين بالجنف مجهول السبب في الصين فحصًا شاملًا متعدد الأبعاد، وذلك بمقارنتهم بأقران أصحاء من الفئة العمرية ذاتها، وبربط مؤشرات صحتهم النفسية وجودة حياتهم المرتبطة بالصحة بدرجة انحناء العمود الفقري لديهم، بما يلفت انتباه الفرق العلاجية إلى البعد النفسي الاجتماعي الذي لا ينفصل عن الخطة العلاجية الشاملة لهؤلاء المراهقين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استقطبت الدراسة 61 مشاركًا من المراهقين المصابين بالجنف مجهول السبب و61 من الأقران الأصحاء تراوحت أعمار أفراد الفئتين بين 10 و18 عامًا، وقيمت الحالة الصحية النفسية والسلوك النفسي الاجتماعي وجودة الحياة المرتبطة بالصحة باستخدام صيغ التقرير الذاتي من استبيان مواطن القوة والصعوبات ومقياس التقييم الذاتي للقلق واستبيان صحة المريض المكون من تسعة بنود واستبيان جمعية بحوث الجنف، وسجلت الدراسة الرصدية في سجل التجارب السريرية الصيني، واعتمدت التحليلات على اختبارات إحصائية متنوعة شملت اختبار ت للعينات المستقلة واختبار مان ويتني واختبار مربع كاي ومعاملات ارتباط بيرسون وسبيرمان بحسب طبيعة البيانات وتوزيعها وخصائصها
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت المقارنات والتحليلات عن فروق واضحة بين المراهقين المصابين بالجنف وأقرانهم الأصحاء في مؤشرات نفسية واجتماعية متعددة، وتتلخص أبرز النتائج فيما يأتي
1، اختلفت أبعاد السلوك النفسي الاجتماعي والحالة النفسية في استبيان جمعية بحوث الجنف واستبيان مواطن القوة والصعوبات اختلافًا دالًا بين المراهقين المصابين بالجنف والأقران الأصحاء في الصين
2، أظهرت نتائج مقياس القلق أن المراهقين المصابين بالجنف يعانون مستويات قلق أعلى بصورة ملحوظة مقارنة بالمجموعة الضابطة من الأصحاء
3، ارتبطت زاوية كوب، وهي مقياس درجة انحناء العمود الفقري، ارتباطًا دالًا بدرجات مجال الأداء الوظيفي وبالدرجات الكلية لاستبيان جمعية بحوث الجنف وبمستويات القلق لدى المراهقين المصابين
4، بينت النتائج أن كبر زاوية الانحناء الفقري يقترن بارتفاع مستويات القلق لدى المراهقين المصابين أيًا كان نوع الجنف، أكثر من اقترانه بمؤشرات الاكتئاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الجنف مجهول السبب يضعف الحالة النفسية والسلوك النفسي الاجتماعي لدى المراهقين ويخفض جودة حياتهم المرتبطة بالصحة خفضًا ملموسًا، وتؤكد أن التقويم المبكر للصحة النفسية والتدخل النفسي المناسب لدى المراهقين المصابين أمر بالغ الأهمية لا يقل شأنًا عن المتابعة العظمية والجراحية، وهي دلالة تتجاوز السياق الصيني إلى خدمات طب المراهقين في البيئات العربية، إذ تدعو إلى تضمين الفرز النفسي المنتظم في بروتوكولات متابعة الجنف، وإشراك الأسر في رصد القلق المرتبط بتشوه العمود الفقري في وقت مبكر قبل تفاقم آثاره النفسية والاجتماعية على حياة المراهق الدراسية والاجتماعية
وتضيف الدراسة إلى أدبيات طب المراهقين تأكيدًا متجددًا على أن الاضطرابات العضلية الهيكلية لدى اليافعين لا تنفصل عن سياقهم النفسي والاجتماعي والمدرسي، وهو ما يفرض على الفرق العلاجية تنسيقًا متعدد التخصصات يشمل أطباء العظام والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والأسر والمدارس، كما تفتح نتائجها أفقًا لدراسات عربية تفحص تجربة المراهقين المصابين بالجنف في مجتمعاتنا، وتوظف أدوات مقننة بالعربية لقياس قلقهم وجودة حياتهم، وتبني برامج دعم نفسي واجتماعي تراعي مرحلتهم النمائية وحساسيتها الخاصة
وخلاصة القول إن علاج الجنف مجهول السبب لدى المراهقين لا يكتمل بتصحيح الانحناء الفقري وحده، فكلما ازدادت زاوية الانحناء ازداد القلق وتراجعت جودة الحياة المرتبطة بالصحة، ما يجعل الرعاية الشاملة التي تجمع بين العلاج الجسدي والدعم النفسي والاجتماعي ضرورة مهنية وإنسانية، وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات طولية عربية وعالمية تفحص مسارات الصحة النفسية لهؤلاء المراهقين عبر مراحل العلاج المختلفة








