يعد احتجاز الكربون في الترب الزراعية أحد المسارات الواعدة لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على تنظيم المناخ، إذ تخزن التربة ثاني أكسيد الكربون الجوي في صورة كربون عضوي بفضل ممارسات إدارة زراعية ملائمة، وتتيح المحاكاة النموذجية اختبار هذه الممارسات وتقدير مخزونات الكربون الحالية والمستقبلية في مناطق محددة قبل تطبيقها على نطاق واسع، وفي هذا الإطار استخدمت هذه الدراسة نموذج كاندي لموازنة الكربون لبحث أثر ممارسات إدارة زراعية مختلفة في مخزونات الكربون العضوي بترب منطقة دراسة في شمال ساكسونيا بألمانيا، في ظل تغير المناخ وتفاوت كثافة الممارسات المستدامة، وتتزايد أهمية هذه المقاربات النموذجية مع سعي الدول إلى إدراج أرصدة كربون التربة في التزاماتها المناخية وخططها الزراعية وبرامجها البيئية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم إمكانات ممارسات الإدارة الزراعية المستدامة بمستويات كثافة متفاوتة في زيادة مخزونات الكربون العضوي في التربة، وشملت الممارسات المختبرة تقليل الحراثة، وأنماط زراعة المحاصيل، وإدارة الأسمدة، وإدارة مخلفات المحاصيل ومنتجاتها الثانوية، وغطت المحاكاة الفترة الممتدة من عام 2020 إلى عام 2070، وأُجريت على مسارين متوازيين، أحدهما يراعي آثار تغير المناخ والآخر يستبعدها، بما يتيح عزل أثر المناخ من أثر الإدارة في النتائج، ومقارنة سيناريوهات الإدارة بعضها ببعض على أساس زمني ممتد يسمح بظهور الآثار التراكمية البطيئة لديناميات كربون التربة، ويستمد الكربون العضوي في التربة أهميته من كونه مخزنًا طويل الأمد للكربون من جهة، ومؤشرًا على صحة التربة وخصوبتها وقدرتها على الاحتفاظ بالماء من جهة أخرى، ولذلك تجمع النماذج من هذا النوع بين البعد المناخي والبعد الزراعي الإنتاجي في إطار تحليلي واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج المحاكاة جملة من المؤشرات التي يمكن عرضها في النقاط الآتية
1، تراوح متوسط إمكانات احتجاز الكربون في كامل منطقة الدراسة بين 5.13 و7.18 طن كربون لكل هكتار، تبعًا لكثافة ممارسات الإدارة المستدامة المطبقة في كل سيناريو
2، كان تقليل الحراثة العامل الأهم في زيادة مخزونات الكربون، إذ حقق إمكانات احتجاز بلغت 0.84 طن كربون لكل هكتار بحلول عام 2070
3، تبين أن خفض معدلات استخدام الأسمدة عامل حاسم أيضًا لكن باتجاه معاكس، إذ أدى إلى انخفاض مخزونات الكربون بما يصل إلى 2.2 طن كربون لكل هكتار بحلول عام 2070، بما يستدعي الموازنة الدقيقة بين أهداف التسميد وأهداف الكربون
4، لم يحقق سيناريو أعلى كثافة في تطبيق الممارسات المستدامة المرتبة الأولى في مكاسب الكربون، بل جاء ثانيًا، وهو ما يدل على أن العلاقة بين كثافة الممارسات والمكاسب ليست خطية بسيطة
5، استطاع تطبيق الممارسات المستدامة عالية الكثافة تعويض الآثار السلبية لسيناريو تغير مناخ وسيط خلال معظم فترة المحاكاة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لصانعي السياسات الزراعية والبيئية، فهي تؤكد أن اختيار حزمة الممارسات وتوازنها أهم من مجرد رفع كثافتها، وأن تقليل الحراثة ينبغي أن يحتل صدارة خطط احتجاز الكربون، مع إدارة حذرة لمعدلات التسميد حتى لا تأتي مكاسب الكربون على حساب الإنتاجية أو العكس، ويمكن للباحثين العرب في علوم التربة والزراعة المستدامة الاستفادة من منهجية النمذجة هذه في تقدير إمكانات احتجاز الكربون في الترب الزراعية العربية التي تواجه ضغوطًا مناخية أشد، ولا سيما في الأراضي الجافة وشبه الجافة، وبناء سيناريوهات إدارة تلائم خصائصها ومواردها المائية المحدودة، كما أن امتداد أفق المحاكاة إلى خمسة عقود يذكر المخططين بأن سياسات كربون التربة بطيئة النضج بطبيعتها، وأن قرارات اليوم الزراعية ترسم خريطة كربون منتصف القرن، فلا مجال لانتظار نتائج قصيرة الأجل للحكم على جدواها أو التراجع عنها مبكرًا
وخلاصة القول إن الدراسة أكدت ما هو معروف عن آثار ممارسات الإدارة في احتجاز الكربون، وحددت في الوقت نفسه سيناريوهات إدارة مستقبلية تشدد على ضرورة التبني الواسع للممارسات المستدامة في ظل ظروف مناخية متغيرة، بما يجعل التربة الزراعية شريكًا فاعلًا في مواجهة تغير المناخ لا ضحية له فحسب، وبما يمنح مخططي الزراعة أفقًا زمنيًا طويلًا لاتخاذ قرارات رشيدة








