تتسابق الوجهات السياحية في العالم على توظيف التقنيات الرقمية التفاعلية في تقديم تراثها الثقافي والغذائي للزوار، ويبرز التلعيب بوصفه أحد أبرز هذه الأساليب، إذ يحوّل تجربة التعرف إلى المطبخ المحلي إلى نشاط تفاعلي يجمع بين المتعة والتعلم، وتعد مدينة بوكيت التايلندية مثالًا غنيًا في هذا المجال بما تحمله من إرث غذائي عريق يستحق أن يُروى للزوار بأساليب مبتكرة، وفي هذا السياق طُوّر تطبيق ويسكيت 42 بوصفه تطبيق تلعيب يعمل عبر متصفح الهاتف المحمول لدعم التواصل حول ثقافة الطعام المحلي وحكمته في بوكيت، وجاءت هذه الدراسة لتقويم كيفية إدراك السياح لهذا التطبيق ومدى تقبلهم له بوصفه أداة لنقل التراث الغذائي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات السياح التايلنديين المحليين تجاه تطبيق ويسكيت 42 بعد تجربتهم الفعلية له، مع التركيز على أربعة أبعاد رئيسة هي الملاءمة وسهولة الاستخدام، والفائدة المدركة، والسلامة والموثوقية، والتفرد والتميز، كما سعت إلى معرفة أثر الخبرة السياحية السابقة في بوكيت في هذه التصورات، وإلى تحديد أي الأبعاد يتنبأ بالفائدة المدركة لدى المستخدمين، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، فجمعت البيانات باستبانة وُزعت بعد تجربة التطبيق على عينة بلغت 428 سائحًا تايلنديًا ممن لديهم خبرة سياحية سابقة في بوكيت وممن ليست لديهم مثل هذه الخبرة، ثم حُللت البيانات باختبارات المقارنة بين المجموعات وبتحليل الانحدار المتعدد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج مجموعة من المؤشرات التي يمكن إجمالها في النقاط الآتية
1، وجدت الدراسة فروقًا دالة إحصائيًا بين مجموعات الخبرة السياحية في الأبعاد الأربعة جميعها، أي الملاءمة والفائدة والسلامة والموثوقية والتفرد، بما يعني أن تصورات المستخدمين للتطبيق تتأثر بخبرتهم السابقة في الوجهة
2، جاءت أحجام الأثر صغيرة نسبيًا، إذ تراوحت قيمها بين 0.019 و0.041، وهو ما يشير إلى أن الخبرة السياحية السابقة تفسر نسبة متواضعة فقط من التباين في تصورات المشاركين
3، لم تكن الفروق الثنائية بين المجموعات شاملة لجميع المقارنات، بل جاءت انتقائية تظهر بين بعض مجموعات الخبرة دون بعضها الآخر، بما يعكس تباينًا دقيقًا لا يعمم على التجارب كلها
4، بيّن تحليل الانحدار المتعدد أن الملاءمة والسلامة والموثوقية والتفرد ارتبطت إيجابيًا وبصورة دالة بالفائدة المدركة، وفسرت مجتمعة ما نسبته 59.9 في المئة من تباينها
5، حقق بعد التفرد أكبر معامل معياري إذ بلغت قيمة معامل بيتا له 0.305، تلاه بعد السلامة والموثوقية بقيمة 0.279، ثم بعد الملاءمة بقيمة 0.277، بما يجعل التميز والتجربة الفريدة أقوى متنبئات الفائدة لدى المستخدمين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية مهمة لمطوري التطبيقات السياحية ومخططي الوجهات، فحين يتصدر التفرد قائمة العوامل المؤثرة في الفائدة المدركة، يصبح تصميم محتوى غذائي أصيل لا يتوافر في غير الوجهة أولوية في تطوير تطبيقات التلعيب، كما أن وزن السلامة والموثوقية يؤكد حاجة المستخدم إلى الثقة في ما يقدمه التطبيق من معلومات وخدمات، ويمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الاستفادة من إطار الدراسة في بحث توظيف التلعيب في تقديم التراث الغذائي العربي، من الأسواق التاريخية والمأكولات الشعبية الموثقة، مع تكييف الأبعاد المقاسة مع الخصائص الثقافية للوجهات العربية، غير أن الدراسة اقتصرت على مشاركين تايلنديين، وهو ما قد لا يمثل سلوك السياح الأجانب وتقبلهم للتقنية، ويحد من تعميم النتائج على سياقات عالمية أوسع، كما تبرز الدراسة من زاوية منهجية أهمية قياس أبعاد تقبل التقنية بصورة منفصلة بدل الاكتفاء بانطباع عام لدى المستخدم، فلكل بعد وزنه المختلف في قراره مواصلة الاستخدام أو التخلي عن التطبيق، وهو درس يفيد الباحثين ومصممي الاستبانات في بحوث السياحة الرقمية وتطبيقات التراث التفاعلية
وخلاصة القول إن تطبيق ويسكيت 42 يمثل مقاربة رقمية تفاعلية واعدة في إيصال تراث بوكيت الغذائي إلى الزوار، وإن الخبرة السابقة بالوجهة عامل سياقي متواضع الأثر في تشكيل تصورات المستخدمين، وتدعو الدراسة الباحثين مستقبلًا إلى إشراك السياح الدوليين بما يحقق شمولًا أوسع في مقارنة اختلافات الإدراك وتقبل التقنية وسلوك تعلم التراث الغذائي عبر السياقات الثقافية المتنوعة، وهي دعوة تصلح أن تكون منطلقًا لدراسات عربية مشابهة في وجهات غنية بموروثها الغذائي








