تشير البحوث الحديثة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تدفع مستخدميها، ولا سيما الشباب، إلى المبالغة في تقدير حجم معرفتهم بقضايا تغير المناخ، إذ توهمهم الوفرة السطحية للمحتوى المتداول بإحاطة معرفية لا تعكس فهمًا حقيقيًا لتعقيدات القضية، وقد تقود هذه المبالغة بدورها أصحابها إلى التواصل بتكرار أكبر مع الآخرين حول تغير المناخ والحديث عنه بثقة زائدة، غير أن الأدلة التجريبية حول هاتين العلاقتين ما تزال محدودة وتحتاج إلى اختبار طولي يتتبع الأفراد عبر الزمن بدل الاكتفاء بالقياسات المقطعية الآنية
وتختبر هذه الدراسة هاتين الفرضيتين لدى جيل الشباب الذي يوصف بأنه جيل تغير المناخ لحضور القضية المركزي في وعيه العام، بما يهم الباحثين العرب في التواصل العلمي وعلم النفس الإعلامي والتربية البيئية، إذ تتوقف فعالية حملات التوعية المناخية على فهم دقيق للعلاقة بين التعرض الإعلامي وتقدير الذات المعرفي والسلوك التواصلي، فإذا كانت الثقة المعرفية الزائدة تحفز الإقناع والتأثير دون أن تستند إلى معرفة راسخة فإن معالجة التضليل المناخي تتطلب مقاربات تتجاوز مجرد إتاحة المعلومات الصحيحة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار ما إذا كان التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بميل الشباب إلى المبالغة في تقدير معرفتهم بتغير المناخ، وما إذا كانت هذه المبالغة تدفعهم إلى الحديث بتكرار أكبر عن القضية ومحاولة إقناع الآخرين والانخراط مع السياسيين، واعتمدت على مسح لوحي من أربع موجات متتابعة لمستجيبين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، بما يتيح تتبع التغيرات داخل الأفراد عبر الزمن وتقويم الاتجاهات السببية المحتملة بصورة أدق من التصميمات المقطعية، وقاست المبالغة في تقدير المعرفة بمقارنة تقدير المستجيبين الذاتي لمعرفتهم بأدائهم الفعلي، إلى جانب متغيرات مثل إدراك فرط المعلومات والمعرفة الرقمية الذاتية والثقة في تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبط التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي إيجابيًا بميل المستجيبين إلى المبالغة في تقدير معرفتهم بتغير المناخ، دون أن تجد الدراسة آثارًا سببية دالة لهذا التعرض
2، ارتبطت المبالغة في تقدير المعرفة أيضًا بإدراك فرط المعلومات وبالمعرفة الرقمية الذاتية وبالثقة في تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي
3، لم تؤد المبالغة في التقدير إلى حديث أوسع أو صراحة أكبر حول تغير المناخ، لكنها زادت جهود المستجيبين الرامية إلى إقناع الآخرين والانخراط مع السياسيين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات مهمة للتواصل العلمي والتعليم، إذ تشير إلى أن المشكلة ليست صمت الشباب الواثقين بإفراط بل نشاطهم الإقناعي المتزايد رغم هشاشة قاعدته المعرفية، بما يستدعي برامج تربية إعلامية ومناخية تستهدف معايرة الثقة المعرفية وتعزيز التواضع المعرفي وتدريب الشباب على تقويم مصادرهم، ويمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية العربية الاستفادة من هذا التمييز الدقيق بين الحديث العام وبين سلوكيات الإقناع والانخراط السياسي عند تصميم تدخلات التوعية المناخية
وتشير النتائج إلى تمييز دقيق ينبغي الانتباه إليه في دراسات السلوك التواصلي، فالصراحة العامة في الحديث عن قضية ما ليست هي نفسها بذل الجهد لإقناع الآخرين بها أو الانخراط مع صناع القرار بشأنها، وقد تختلف محددات كل سلوك من هذه السلوكيات وآثاره، فبينما لم تتحرك الصراحة العامة بالمبالغة المعرفية تحركت بها السلوكيات الأكثر تأثيرًا في المجال العام وهي الإقناع والضغط السياسي، بما يجعل أثر المبالغة أخطر مما قد يوحي به غياب أثرها الأولي في التقييمات السريعة لخطورة الظاهرة
كما تنبه الدراسة مصممي المنصات إلى مسؤوليتهم في ضبط آليات قد تضخم الثقة المعرفية الزائدة لدى المستخدمين الشباب عبر التغذية الخوارزمية المتكررة للمحتوى المألوف
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم صورة دقيقة ومتوازنة للعلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والمبالغة في تقدير المعرفة المناخية لدى الشباب، إذ تثبت ارتباطًا دون سببية للتعرض الإعلامي بالمبالغة، وتفصل بين غياب أثرها في الصراحة العامة وحضور أثرها في جهود الإقناع والانخراط مع السياسيين، بما يمنح الباحثين العرب في التواصل العلمي أساسًا تجريبيًا طوليًا لفهم سلوك جيل المناخ وتصميم رسائل توعية أكثر فعالية








