أصبح مصطلح خطاب الكراهية في الاستخدام اليومي مصطلحًا مسيسًا إلى حد بعيد ومشحونًا عاطفيًا، ويستخدم في آن واحد سلاحًا بلاغيًا في الخصومات العامة وموضوعًا لقلق مجتمعي حقيقي، وتدور حوله فهمات متعددة تتشكل داخل الثقافات اليومية التفاعلية للوسائط الرقمية وتتأثر ببيئة إعلامية مرقمنة تعيد تشكيل كيفية إنتاج المعنى وتداوله، غير أن هذه البناءات العامية المحلية لمعنى خطاب الكراهية ما تزال قليلة الاستكشاف في البحث العلمي الذي انشغل غالبًا بالتعريفات القانونية والمؤسسية الجاهزة دون مساءلة كيفية فهم الناس العاديين للمفهوم وتوظيفهم له في نقاشاتهم اليومية
وتستكشف هذه الدراسة الصراع الدائر حول معاني خطاب الكراهية على المنصات الرقمية وتربطه بسياق حالة ما بعد الحقيقة المتصفة بأزمة في الثقة وباضطراب في قول الحقيقة، بما يهم الباحثين العرب في دراسات الإعلام والتواصل وعلم الاجتماع وطلاب الدراسات العليا المعنيين بتحليل الخطاب العام الرقمي، إذ يقدم فهم كيفية تنازع الجماعات المختلفة على تعريف المفهوم مدخلًا لفهم أعمق لديناميات الاستقطاب والتشكيك في المؤسسات المعرفية في المجتمعات المعاصرة ومنها المجتمعات العربية التي تشهد نقاشات مماثلة على منصاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الكيفية التي تتنازع بها الجماعات والفاعلون المختلفون معاني خطاب الكراهية في الثقافات اليومية الرقمية، وجمعت بين الأساليب البحثية الحاسوبية والنوعية إذ حللت مجموعة بيانات ضخمة تضم 289933 رسالة وحددت منها الموضوعات العشرة الأكثر صلة بالمفهوم، ثم وظفت نظرية التمفصل لتحليل التمفصلات السياسية والاجتماعية المختلفة لخطاب الكراهية، أي الطرق المتباينة التي يُبنى بها معنى المفهوم ويُربط بخطابات ومواقف أوسع، ووضعت هذه التمفصلات في سياق حالة ما بعد الحقيقة المتصفة بأزمة الثقة وتراجع سلطة قول الحقيقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حددت الدراسة في سياق خطاب الكراهية تمفصلات متعددة أبرزها الارتباك وعدم اليقين والسخرية والتهوين من شأن المفهوم وادعاء الرقابة
2، أظهرت النتائج أن الصراع على سلطة تعريف خطاب الكراهية ينطوي في الوقت ذاته على صراع لقلب سلطة التعريف التي تمتلكها المؤسسات البحثية والجهات الرسمية وسلطات المعرفة المعتمدة
3، أبانت الدراسة أن خطاب الكراهية ذو طبيعة عامية وسياقية ومحلية، إذ ينشأ معناه بالرجوع إلى فاعلين سياسيين وأحداث ونقاشات بعينها لا بوصفه مفهومًا مجردًا ثابت الدلالة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في بحوث خطاب الكراهية بإبراز البعد العامي والسياقي للمفهوم، وتوضح الأهمية المجتمعية الواسعة للنقاش الدائر حوله والطرق التي يستخدم بها المفهوم نفسه عبر تمفصلاته المتعددة أداة في معركة ما بعد الحقيقة لعرقلة النقاش الديمقراطي وإرباكه وخدمة غايات سياسية بعينها، وهي دلالات تستدعي من صانعي سياسات المنصات والباحثين تجاوز التعريفات الأحادية إلى فهم التعدد الدلالي للمفهوم عند تصميم سياسات الإشراف على المحتوى وبرامج التربية الإعلامية
وتتغذى هذه التمفصلات المتعارضة على بنية المنصات الرقمية ذاتها، إذ تكافئ خوارزميات الانتشار المحتوى المشحون والمثير للجدل وتمنحه وصولًا أوسع من المحتوى المتزن، فتتحول التعريفات المتنازع عليها إلى وقود لاستمرار النقاش لا إلى مدخل لحسمه، ويجد كل طرف في تعريف الطرف الآخر دليلًا إضافيًا على انحيازه، وهكذا يعيد إنتاج نفسه باستمرار الصراع على المفهوم بوصفه صراعًا على الشرعية المعرفية والسياسية في المجال العام الرقمي المعاصر
وتبرز الدراسة في هذا السياق حاجة ماسة إلى أبحاث مقارنة تدرس هذه التنازعات الدلالية في لغات وسياقات ثقافية متعددة، فما يبدو نزاعًا تعريفيًا محليًا قد يكشف عند المقارنة عن أنماط عالمية مشتركة في كيفية توظيف المفاهيم الأخلاقية المشحونة سياسيًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تكشف أن معنى خطاب الكراهية نفسه ساحة صراع سياسي ومعرفي على المنصات الرقمية، إذ تتنازعه تمفصلات الارتباك والسخرية والتهوين وادعاء الرقابة في سياق أزمة ثقة أوسع بالمؤسسات والحقائق، بما يجعل دراسة البناءات العامية للمفاهيم المتنازع عليها مدخلًا ضروريًا لفهم حالة ما بعد الحقيقة، ويمنح الباحثين العرب في دراسات الإعلام إطارًا تحليليًا قابلًا للتطبيق على النقاشات الرقمية في سياقاتهم المحلية








