تعد جاهزية القوى العاملة في المختبرات الطبية ركيزة أساسية لتعزيز النظم الصحية، ولا سيما في البيئات الهشة وما بعد النزاعات حيث تتضاعف الحاجة إلى خدمات تشخيصية موثوقة وتشح الموارد والكوادر المؤهلة، غير أن الأدلة التجريبية حول كيفية تحول جودة التعليم إلى قابلية فعلية للتوظيف في مثل هذه السياقات ما تزال محدودة، إذ لا يكفي أن يتلقى الخريج تدريبا جيدا ما لم يتحول هذا التدريب إلى كفاءة ذاتية وجاهزية نفسية ومهنية تمكنه من المنافسة في سوق العمل والاندماج فيه بقوة
وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التعليم الصحي وإدارة الموارد البشرية الصحية، لأن بلدانا عربية عدة تشترك مع الصومال في تحديات إعادة بناء النظم الصحية والتعليمية بعد الأزمات، وفي الحاجة إلى مواءمة المناهج مع متطلبات سوق العمل، ومن ثم تقدم الدراسات التي تختبر نماذج وساطة متعددة المراحل بين جودة التدريب ونواتج التوظيف إسهاما نظريا وتطبيقيا يتجاوز سياقها المحلي إلى سياقات مشابهة كثيرة
وتشمل المختبرات الطبية طيفا واسعا من الفحوص المخبرية التي يعتمد عليها التشخيص والعلاج والترصد الوبائي، ويتطلب العمل فيها دقة عالية والتزاما بمعايير الجودة والسلامة، ولذلك يعد إعداد فنيي المختبرات إعدادا يجمع بين الصلابة النظرية والمهارة العملية شرطا لا غنى عنه لأي نظام صحي يسعى إلى خدمة تشخيصية موثوقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص الارتباطات بين ملاءمة المنهج والتعرض للتدريب العملي وكفاءة أعضاء هيئة التدريس من جهة، ونواتج التوظيف لدى طلاب المختبرات الطبية وخريجيها في مقديشو بالصومال من جهة أخرى، مع نمذجة الكفاءة الذاتية للطالب والجاهزية الوظيفية آليتين وسيطتين، واعتمدت تصميما كميا مقطعيا جمع البيانات من 291 طالبا في السنوات النهائية وخريجا حديثا، وحللت بنمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية، فأظهر نموذج القياس موثوقية وصلاحية مرضيتين، واختبر النموذج البنائي مسارات التأثير المباشر وغير المباشر في ضوء أطر نظرية المسار المهني المعرفية الاجتماعية ونظرية رأس المال البشري
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تنبأت ملاءمة المنهج والتعرض للتدريب العملي وكفاءة أعضاء هيئة التدريس بصورة دالة بالكفاءة الذاتية للطلاب، بينما تنبأت ملاءمة المنهج والكفاءة الذاتية بصورة دالة بالجاهزية الوظيفية
2، مارست الكفاءة الذاتية للطالب أثرا إيجابيا دالا في نواتج التوظيف، في حين لم تبد الجاهزية الوظيفية أثرا مباشرا في هذه النواتج رغم ارتباطها بالتدريب
3، كشف تحليل الوساطة أن الكفاءة الذاتية توسطت بدلالة العلاقة بين التعرض للتدريب العملي وكل من الجاهزية الوظيفية ونواتج التوظيف، بينما لم تقم الجاهزية الوظيفية بدور وسيط دال، ولم تدعم مسارات الوساطة المتسلسلة
4، فسر النموذج 68.3 في المئة من التباين في الكفاءة الذاتية للطلاب، و58.2 في المئة من التباين في الجاهزية الوظيفية، لكنه لم يفسر سوى 2.3 في المئة من التباين في نواتج التوظيف، بما يشير إلى محدودية قدرته التنبؤية بالناتج النهائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج الدور المركزي لآليات الجاهزية النفسية في فهم العلاقة بين جودة التدريب وقابلية التوظيف في نظم التعليم الصحي بعد النزاعات، فالتدريب العملي الجيد يبني الثقة المهنية للطالب التي تتحول بدورها إلى فرص عمل فعلية، بينما لا تكفي الجاهزية الوظيفية المعلنة وحدها ما لم تصحبها كفاءة ذاتية راسخة، وتقدم الدراسة رؤى سياساتية لإصلاح المناهج وتعزيز التعلم التجريبي وتطوير أعضاء هيئة التدريس، بما يفيد مخططي التعليم الصحي في البلدان العربية الخارجة من الأزمات
وتضيف الدراسة لبنة منهجية إلى أدبيات التعليم في البيئات الهشة، إذ تبين أن نماذج الوساطة متعددة المراحل قادرة على كشف مسارات تأثير خفية لا تراها دراسات الارتباط البسيط، فتظهر أن أثر التدريب في التوظيف يمر عبر بناء الطالب النفسي والمهني، وهي رؤية توجه الباحثين إلى قياس المتغيرات النفسية الوسيطة بعناية عند تقويم برامج الإعداد المهني
وخلاصة القول إن جودة التدريب لا تصنع التوظيف بذاتها، بل عبر ما تبنيه في الطالب من كفاءة ذاتية وثقة مهنية، وهو درس جوهري لكل نظام تعليم صحي يسعى إلى إعداد كوادر مخبرية قادرة على خدمة مجتمعاتها وتعزيز أمنها الصحي في آن واحد








